من أجمل القصائد عن فلسفة الحياة للشاعر إيليا أبوماضي قصيدته التي مطلعها:
أيها الشاكي وما بك داء
كيف تغدو إذا غدوت عليلا
إن شر الجناة في الأرض نفس
تتوقى قبل الرحيل الرحيلا
وترى الشوك في الورود وتعمى
أن ترى فوقها النّدى إكليلا
وهي قصيدة فلسفية عن جمال الروح للإنسان وأنه أساس سعادته في الحياة.. فالكون كله خلق من أجله فلا بد أن تكون روحه وثابة للاستمتاع بكل أنواع الجمال من حوله.. فالطبيعة تذخر بالجمال الذي يحقق للنفس توازنها وتوافقها حين يكون الإنسان سليم الصدر نقي السريرة..
ولكن مع عشقي لإنتاج الشاعر الأدبي عموما، فإنني أختلف معه في نظريته هذه.. فللأسف كثيرا ما يرى المرء مظاهر القبح من حوله تقف حاجزا أمام رؤية الجمال.. ولن أتحدث عن قباحة بعض النفوس التي تثير الألم النفسي للآخرين.. ولكن سأتحدث عن قباحة (بيئة الإنسان) التي صنعها بقلة وعيه وذوقه بل وربما بتكوينه الاجتماعي والثقافي.. والتي تحدث نفورا واشمئزازا بل ربما اكتئابا وضيقا وتبرما للإنسان نتيجة تراكمات القباحة من حوله.. فلا يعرف سببها وما علاجها..!!
فكم من أماكن العمل والجهات ذات الصلة الوثيقة (بالمواطن - الإنسان) الذي يتردد عليها لإنجاز معاملاته فيجد خلو المكان من أي إيحاءات الجمال فلا نظافة.. ولا نظام.. ولا تنظيم.. ولا أي لمسة تدل على اهتمام القائمين في تلك الأماكن - ومنها الإدارات الحكومية - على أي مظهر من مظاهر الجمال.. فقد زارت إحدى سيدات المجتمع المكي الغيور قسم الجوازات النسائي بمكة المكرمة وساءها جدا المدخل للصالة.. وقد روت لي كيف أن المدخل يحتوي على (بيارة صرف صحي) -أكرمكم الله - وتحوم حولها القاذورات وكل مشاهد القباحة.. التي تشمئز منها النفس الإنسانية فكيف بمدخل حكومي نسائي يكون على هذه الحالة..!! ومن المسؤول عن هذه المناظر المقززة؟؟
أظن أن هذا المنظر ليس هو الوحيد في مبانينا الحكومية، فكثير من الجهات هي نسخة مكررة من هذا المنظر سواء في الجهات الخدمية أو القضائية أو الأمنية أو حتى في الجهات الثقافية الأدبية.. فترى بعض النفايات في مداخل مبانيها وترى العنكبوت يعشعش في أركان جدرانها والغبار يزكم الأنوف فوق أسطح الطاولات والممرات والسلالم.. وليس هناك أي لمسة جمال مع أنها أحد أهم مقومات البرتوكولات الاجتماعية في استقبال العملاء لنجاح الدائرة أو المنظمة في تحقيق رسالتها..
وكثيرا ما يصاب المرء بالصدمة حين يذهب للمجتمعات المتقدمة ويرى مظاهر الجمال في كل لحظة من لحظات حياته فليس الشوارع وتنظيمها والطرقات وتحسينها هي مبدأ الجمال الأول.. بل حتى المباني والدور التي يرتادها المواطن لمراجعة معاملاته.. فالمداخل تحيطها الورود والأزهار والمداخل والأبواب يلمع زجاجها من النظافة.. فعمال النظافة من الصباح الباكر وهم في حرب ضروس لإزالة كل عوالق تهدم مظاهر الجمال من أبواب ونوافذ ومقاعد الجلوس.. إلخ.. وترى باقات بسيطة من الزهور تنثر عبيرها في المكان فتصافح قلوب مرتادي المكان وتهدئ من نفوسهم وتسكن شجونهم..
ومع أن ديننا الإسلامي الحنيف يحث على النظافة.. فالطهور شطر الإيمان.. والله يحب المطهرين.. ومع أن حكومتنا الرشيدة تنفق الملايين بل والمليارات على أجهزتها وإداراتها ومبانيها الفخمة.. فالخلل إذن في الإنسان العاجز عن تقدير الجمال وبعثه..
لذا أقترح أن يكون في كل جهاز أو مبنى حكومي (لجنة إشرافية على النظافة وتنسيق المكان) وتوفير عدد مناسب من العمال وليس عاملا أو عاملين لمبنى بأربعة أدوار.. على أن ترأسها سيدة.. فالنساء هن الأكثر عناية واهتماما بمظاهر الجمال.. فالجمال البيئي مظهر راق وسلوك إنساني رفيع تحبه الفطرة الإنسانية..
كما أنه لا بد مع هذا كله من احترام كرامة الفرد فهي من أوجب ما يتطلبه الجمال التنظيمي - الأخلاقي.. وعذرا منك أيها الشاعر ولأبياتك الخاتمة:
أيها الشاكي وما بك داء
كن جميلا ترى الوجود جميلا
فالشعور بالجمال هو أيضا مكون حسي وليس دائما روحيا.. فإذا وجد فحتما سيكون الوجود جميلا.