لو كان جوبلز مدير دعاية هتلر يعيش بيننا لقال: (أتحسس محفظتي) بدلا من مقولته الشهيرة: (عندما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي..)، وهذا الكلام لن يثير المثقف السعودي، ليس لأنه فعلا كذلك، لكن لأنه لا يقرأ أساسا، ويعتقد أنه تجاوز الكل، وعلى الكل أن يقرأ له، لهذا أشعر بالتقزز من المثقف (المدّاح) – الذي ضمن بأنه لن يُحثى بوجهه التراب – متحايلا على القارئ عبر مقولته المتهالكة (مثلما نقول للمسيء أسأت فلا بد أن نقول للمحسن أحسنت)، فهذه مقولة غارقة في الرومانسية لدرجة البلاهة، لكنها بالنسبة للمثقف ضرورية، فالهوس بتصنيف «مثقف» هو من أهم أسباب هذه الحيلة التي تدّعي الحكمة والإنصاف، فالمسؤول هو من يخلع وينزع اللقب متى شاء، ولهذا كان لا بد من وجود حيلة تضمن (للمهووس) أن يبقى ضمن قطيع الثقافة، رغم أن المقابل سخيف ولا يستحق كل هذا التملّق، فالمسؤول لا ينظر للمثقف أكثر من أنه في بعض الأحيان (إكسسوار) جميل ومن المهم وجوده أمام الضيوف كي يعطي (برستيجا) للمسؤول بأنه يحب الثقافة، وأحيانا كأداة تسويقية فعّالة، خاصة بعد بروز (النقد الجديد) المتمثل بنقد سلبيات هامشية للمسؤول كي يُبعد الأنظار عن الكوارث الكبيرة، كأن تنقد مسؤولا لأن وضع لوحة مفاتيح المصعد عالية مما يسبب مشكلة لذوي الاحتياجات الخاصة، ولهذا يبتسم المسؤول ويرحب بالنقد الهادف والبناء ويوضح أنه ليس الشخص الذي وقّع على أوراق اعتماد بناء المبنى، ولأن التوضيح أو التعقيب لا يستلزم حضور المسؤول لمكتبه فإنه يوجه مدير العلاقات العامة بأن يختم البيان التوضيحي بالجملة اللئيمة (ونرحب بالكاتب وندعوه لزيارتنا ليحصل على المعلومات من المصدر)، وهُنا يتحسس المسؤول (الكرت الشخصي) / (غنيمة الناقد)، وقد يكون المسؤول مُحاطا بموظفي علاقات عامة مبدعين فيقترحون عليه أن يبادر هو بالاتصال بالمثقف الناقد، ليكتب الناقد غدا في مقاله: (.. وتشرفت باتصال من المسؤول الفلاني) يا للوقاحة!
قد يقول قائل: لماذا حصرت المثقف بالكُتّاب؟، هذا سؤال منطقي وجميل، والجواب بسيط، فبمجرد وجود فعالية (ملتقى مثقفين، معرض كتاب، سوق عكاظ، الجنادرية..إلخ) تلحظ أن المثقفين المقصودين هم الذين (تطلع صورهم بالجرايد) مع مقالات من النوعية (السالفة الذكر) – المصحح اللغوي الآلي اللعين مُصر على كتابتها (السافلة) – ولهذا أستطيع بسهولة أن أسرد أسماء المثقفين الذين ستتم دعوتهم لأي فعالية ثقافية قادمة، رغم أنهم لا يحضرون إلا بحفل الافتتاح كديكور خلفي للراعي الرسمي، وبعد ذلك يبتلعهم بهو الفندق، أما الفعاليات فإنهم أكبر من أن يجلسوا ليستمعوا لمثقف ندّ لهم إن لم يروه أقل منهم!
ولعدم وجود آلية واضحة لدعوات المثقفين، فإنني أقترح أن تتم دعوة طلاب الجامعات، والباحثين الحقيقيين عن المعرفة بدلا من دعوات (المثقفين المغاتير)!