اتفق الكتاب والمفكرون المعاصرون على جملة من السمات التي ينبغي على النخب المثقفة أن تتسم بها حتى تقوم بواجباتها تجاه مجتمعاتها، لعل أهم هذه السمات: القدرة على صنع القرارات، المشاركة في تعديل سلوك المواطنين، التمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، توجيه المواطنين إلى قيم النبل الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق يجب أن يكون المثقف مستقلا عن أي جهة وسلطة، كي لا تقيد تفكيره ومساره، وأن يبني القيم والمثل العليا كقيمة العدالة والحرية له ولغيره، وأن يشارك في الحياة العامة، وأن يتجاوز أي صفة حزبية أو فئوية متعصبة أو مذهبية، وأن تكون ثقافته عامة تخاطب الناس بعقلانية ووعي، وأن يكون دفاعه عن أفكاره وثقافته بهدف تغير الواقع السيئ، وعليه أن يسجل بكل جرأة ووضوح شهاداته ورأيه، وأن يكون صادقا يفضح الفساد ويدافع عن المستضعفين.
وقد يكون من المحزن أن يتحول هذا المثقف إلى جليس دائم في مجلس السلطة، ويبدأ يسترزق من كلام أوراق سابقة جمعها في كتاب، عن قيم الخير والحب والجمال والتسامح والعدالة والمساواة في إطار قيمها «العامة» لكنه لا يتجرأ أن يترافع بصوت صريح أمام السلطة عن قضية اجتماعية تحتاج إلى أن يلتفت إليها صاحب القرار، وبذلك يكون قد وقع في الفخ، وحجم من دوره وحال بينه وبين تحقيق التراكمية الفكرية، وزاد الشقة بين الحس الإنساني وبين ثقة المجتمع فيه.
نحن نعلم أن أي سلطة لا يمكنها بحال أن تظل في موقعها دون أن تكون لها أذرعها المتنوعة، سواء كانوا مثقفين أو إعلاميين، بما يجعلهم يحددون لها المسار الذي تسير عليه، ويجمِّلون صورتها، ولا سيما إذا ارتبطت بأي شكل من أشكال الانتهاكات المختلفة.
من الضروري أن أشير إلى أن «السلطة» لا تعني بالضرورة مركزية صنع القرار، فهي تشمل كل من يملك شيئا من القرار وصنعه وإصداره، فهو يمثل سلطة، مهما صغر موقعه أو منصبه، وفي المقابل فإن الثقافة ليست حكرا على نخبة بعينها، ووفقا لتعريفاتها المتباينة فإنه لا يمكن حصرها في تعريف بعينه، ما يزيد من التباس العلاقة بين المثقف والسلطة، ويجعل من الأخيرة تعريفا فضفاضا يمكن أن يتيح لها احتواء المثقفين.
والمعضلة الأخرى أن تكون ثقافة السلطة أقوى من سلطة الثقافة، وذلك بأن تعمل على احتواء المثقفين والنخبة عموما، بحيث تصبح هذه النخبة تسير في فلك السلطة، وهو ما يخالف ما ينبغي أن تكون عليه الثقافة ذاتها بأن يكون لها سلطة وتأثير، وأن تكون الثقافة بمثابة العين التي تنير للسلطة الطريق في إصدار القرار، انطلاقا من المقومات التي تحملها الثقافة ذاتها من قوة وتأثير في جمهور المتلقين على مختلف شرائحهم واهتماماتهم، عن طريق ما تقدمه لهم من محتوى رفيع ورصين متنوع.
أنا لست ضد أن يتواجد «المثقف» في بلاط السلطة، بل هو ضروري وحتمي، لكنه يجب أن يكون ضمن السمات والأدوار التي ينبغي على النخب المثقفة أن تتسم بها حتى تقوم بواجباتها تجاه مجتمعاتها، وأن تسجل بكل جرأة ووضوح شهاداتها وآراءها، بعيدا عن مزامير التطبيل والمحاباة.