العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص يفترض أن تكون تكاملية، وأن يسهم القطاع الخاص في تفعيل ونجاح السياسات الحكومية، بقدر استفادته ماليا واقتصاديا من هذه السياسيات، لكن الواقع يقول إن الأمر ليس كذلك، وإن القطاع الخاص يسعى للاستفادة من هذه السياسات والتسهيلات الحكومية، وإن علاقته بالسياسات الحكومية علاقة نفعية بحتة لتحقيق مزيد من الأرباح والنفعية الفردية.
في بلد مستقر سياسيا واقتصاديا مثل السعودية، يفترض أن تكون أفضل من وضعها الحالي، وأن تكون الشراكة والعلاقة التكاملية في أفضل حالاتها، لتكون نموذجا إيجابيا ومتطورا وتساعد على زيادة استثمارات القطاع الخاص، وأن يكون للقطاع الخاص دور محوري في قيادة عملية التنمية وتحقيق أهداف المجتمع، من توظيف كامل للموارد وكفاءة في استغلالها وتوجيهها، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وتحسين مستوى المعيشة، واستقرار الأسعار وغيرها.
على أية حال، هذا النموذج من العلاقة غير موجود، فالممارسات والواقع الحقيقي يختلفان جذريا عن التنظير، فالعلاقة وفقا لوضعها الحالي علاقة نفعية بحتة بالدرجة الأولى من طرف القطاع الخاص، فالقطاع الخاص استفاد من سياسيات الحكومة المالية والنقدية والتجارية المختلفة، والمتمثلة في الدعم السخي والإنفاق الحكومي المرتفع، والأولوية في المناقصات والمشاريع الحكومية، والقروض الحكومية الكبيرة، وحقق جراء تلك السياسات نسب نمو جيدة، ما كان لها أن تكون لولا الدعم الحكومي الكبير، وفي المقابل، لم يقدم القطاع الخاص ما يوازي الفوائد التي جناها من هذه السياسات، بل خذل السياسات الحكومية في مواقف كثيرة، وعمل على تعطيل كثير منها تحت ذرائع متعددة، واستغل قرارات أخرى بصورة نفعية بحتة.
ولنا في قرارات السعودة التي يعود بعض منها إلى أكثر من عشر سنوات دليل لا يقبل الشك على نفعية القطاع، كما أنها تكشف بصورة واضحة كيف كان ينظر القطاع الخاص إلى طبيعة هذه العلاقة، فعندما صدرت قرارات السعودة لإحلال وتوظيف القوى الوطنية في القطاع الخاص للحد من ارتفاع نسب البطالة، عمل القطاع الخاص على تعطيل هذه السياسات بطرق مختلفة ومتعددة، منها التحايل على النظام من خلال التوظيف الوهمي للسعوديين، من خلال استغلال أسماء أشخاص سعوديين وسعوديات وتسجيلهم في التأمينات الاجتماعية كموظفين في تلك الشركات، في حين أن هؤلاء الموظفين لا يعلمون عن ذلك شيئا ولا يعرفون الطريق إلى تلك الشركات، والصورة الأكثر إيلاما، كانت تلويح البعض الآخر بعصا الرحيل إلى دول مجاورة في وجه سياسات وزير العمل الراحل غازي القصيبي، عندما حاول فرض سياسة السعودة، كما تحجج القطاع الخاص وقتها بعدم ملاءمة مخرجات التعليم لسوق العمل.
لكن هذه السياسات تغيرت كثيرا، ولم تعد موجودة، عندما أعلنت الحكومة ممثلة في صندوق الموارد البشرية «هدف» عن برامج الدعم المالي للمؤسسات والشركات التي توظف سعوديين بدفع نصف الرواتب لمدة عامين، والإعلان عن برنامج مكافأة أجور التوطين التي تمنح للشركات التي ترفع من معدلات التوطين لديها بزيادة عدد الموظفين السعودين أو زيادة رواتب الموظفين، وبحد أقصى 50% من إجمالي النمو في الرواتب، وتزيد قيمة المكافأة مع ارتفاع نسبة زيادة أجور السعوديين، حيث تسابقت الشركات إلى توظيف السعوديين العاملين في القطاع الخاص، ونتيجة لذلك بلغ عدد الشركات التي تقدمت في مارس الماضي للحصول على مكافآتها نحو (17.789) منشأة صغيرة، والمتوسطة (7.400) منشأة متوسطة، و(135) منشأة عملاقة، فيما حصلت (804) منشآت كبيرة على مكافآتها، بمبلغ بلغ (1.5) مليار ريال في المرحلة الثانية.
بكل بساطة، بناء على هذه الأرقام وارتفاع عدد السعوديين في تلك الشركات، يمكن بناء تصور منطقي يؤكد نفعية العلاقة، ويطرح كثيرا من التساؤلات، ما الذي كان يمنع القطاع الخاص من توظيف السعوديين قبل برنامج مكافآت أجور التوطين؟ وأين ذهبت مقولة مخرجات التعليم لا تتناسب مع احتياجات سوق العمل»، أم إن لذة أموال الدعم شبه المجاني كانت أقوى تأثيرا؟ والسؤال الأكثر إلحاحا، ما الذي يحدث عندما تتوقف مكافأة أجور التوطين؟.
العلاقة بين القطاعين العام والخاص.. نفعية أم تكاملية؟
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
