كانت فرحة الأب عظيمة بمِسْخه الجديد، الذي صنعه من بقايا ألعاب أبنائه القديمة.
لقد تمكن هيكله الملفق أخيراً من التحرك في خطوات غير منتظمة، والتصفيق، وإصدار أصوات صرصرة مزعجة.
صرخ الأب بحماس، وتقافز في الهواء وهو يرى المُسخ يتقدم بثبات نحو القط المتوحش السارق لبيض الدجاج، فيفزع القط، وينفش شعرات عنقه وعصعصه، ويموء بخوف وهو يواجه هذا الشيء المرعب، ويتصنع الثبات، غير أنه يكتشف فيه قوة عظيمة وإصرارا، وعنفا، وعينا مخيفة يسيل صباغها الأحمر كقطرة دم.
حياة أو موت، فلما لم تُجدِ مخالب القط وسيلة، التوى ليهرب، بعين تطلب النجاة، لولا أن المسخ قبض على ذيله بأطرافه الحديدية، وغرس أسياخها الحادة بين فقرات الظهر، فلا يتركه إلا والدم يغطي المكان، وقطع من جلده وأحشاؤه منتثرة في الأرجاء.
لقد كان ذلك القط شرساً مزعجاً، وقد أرعب الدجاج، وأنقص من بيضهم، فما كان للأب إلا أن قتله بتلك الطريقة العنيفة، التي شهد أهل البيت والبيوت المجاورة بسهولتها ونجاحها في معالجة العقدة الطارئة.
ويشعر المخترع بالزهو، بل الغرور، فهذا المسخ المبتكر قد قام بما عجز عنه كثير من أبناء الجيرة الأشداء، والنتائج تدل على أن الاختراع مفيد لسكان الحي، وربما يكون سلاحهم المستقبلي!.
وتنامت الفكرة، فالمسخ لا يجب أن يستمر على هذه الصورة البدائية، ويجب تسميته باسم يليق به، ويدل على صلابته، كما يجب تقوية أطرافه بالدعائم، وتركيب العجلات على قدميه، لتسهيل حركته، ولا بد من تزويده بأسهم ومواد حارقة، وتطوير مدى حركته وسرعته وفاعليته، فقد ثبت أنه مفيد لقتل القطط الشاردة، وربما للتخلص مستقبلاً من كلاب الجار المارق المختل، الذي يسكن في نهاية الحي.
يا الله، لكم أصبح الحي أكثر هدوء وسلاما، بعد أن أيقن الدجاج بأن له من يحميه.
يحضر المخترع للمسخ جرماً من المعدن المطاوع، ومسامير يتم تثبيتها على أطرافه، لتكتمل هيبته، ويميز وجهه بالسواد، ويثبت مصباحين أحمرين على عينيه، وكاميرا حرارية على جبهته، ومكبرا للصوت ليصدر الأوامر والتهديد، وحزاما على وسطه لحمل متفجر صغير، ربما يُستخدمه لقتل أكبر عدد من الكلاب!.
احتفلت الجيرة زهوا بما كان يحدث من هذا المسخ الموجه، بعد أن خلت الشوارع من القطط والكلاب، والسماء من الطيور والفراشات.
وبعد تمام مهمته غفل عنه الجميع، وأهمله المخترع، فلم يعد أحدا يصونه، ولا يطوره.
ولكنه مسخ ذكي، يمتلك ذاكرة قابلة للتطوير الذاتي، فلم يرض أن ينتهي بنهاية المهمة.
لقد فوجئ الجيران بأنه لم يعد مسخاً واحداً، فقد تكاثر لعدة مُسوخ، وقد تطورت أهدافه، فصار يقتل الدجاج، ويسرق البيض، ويكسر الأبواب، ويرعب الأطفال، ويقطع الطرق.
الحي كله تضرر، وأصبحت أعمال المسوخ أكثر خطورة مما كان يفعله القط بالبيض، ومما كانت تصدره الكلاب من ضجيج.
يتجمع أهل الحي مرتعبين يتشاكون، فكيف يأمنون على بيوتهم وأطفالهم ونسائهم، والمِسخ المتعدد متجدد الحيل متكاثر الأعداد، متطور الشرور.
حاول البعض استرضاء المسوخ، فلم يستجيبون لهم، قاوموهم فلم يفلحون، أعلنوا الحرب عليهم ففشلوا.
معشر المسوخ هيمنوا على عموم الحي، والويل لمن يقف ضدهم، فقدراتهم تتعاظم، وقد أصبحوا يفجرون المنازل والمدارس والمستشفيات.
shaher.
a@makkahnp.
com