في المقال السابق تحدثنا عن الـGDP وكيف أن هذا المقياس الاقتصادي نجح منذ الثلاثينات في قياس مستوى أداء البلدان الاقتصادي، لنصل الآن في القرن الواحد والعشرين إلى قمة الانتعاش الاقتصادي، متزامنا مع هبوط حاد في مستوى جودة حياة الناس، واستفحال الأزمة البيئية، والصراعات والأزمات الأمنية في كل مكان، ومن هنا كانت الحاجة لمقياس جديد يناسب احتياجات الألفية التي نعيش فيها، مؤشر يستطيع قياس جودة حياة الناس في الواقع المعاش، مؤشر يحتسب العدالة، والحقوق، وتكافؤ الفرص كركائز أساسية للتقدم الحضاري والإنساني، ويضع الإنسان وحقه في جودة الحياة معيارا للنجاح الدولي، والنماء الحضاري.
وهنا يخبرنا الباحث الاجتماعي والاقتصادي مايكل جرين باختراعه لمؤشر جديد يركز على قياس النماء الاجتماعي للبلدان أسماه Social Progress Index (مؤشر التقدم الاجتماعي)، ويرتكز هذا المؤشر على ثلاثة أبعاد رئيسة، الأول: الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وتعني ما يحتاجه الإنسان للبقاء على قيد الحياة (الغذاء، العلاج، المأوى، الأمن).
الثاني: أساسيات جودة الحياة (المعرفة الأساسية، إمكان الوصول للمعلومات والتواصل، الصحة، النظام البيئي المستدام).
الثالث والأخير: إتاحة الفرص، وهي قدرة الفرد على تحقيق ذاته وأهدافه (الحقوق والحرية الشخصية، حرية الخيارات، عدم التمييز ضده، تكافؤ الفرص).
إن ثورة القياس في هذا المؤشر تكمن في أنه يقيس نجاح الدول ليس من خلال مقدار ما صرفته في الميزانيات وبذلته في الخطط، ولكن من خلال قياس جودة حياة الناس، ومستوى رضاهم المعيشي.
فالمؤشر لا يقيس كم أنفقت الدولة على ميزانية الصحة، بل يقيس ما هو مستوى الصحة العامة للشعب.
والمؤشر لا يقيس هل توجد قوانين ضد العنصرية أم لا، ولكن يقيس ما إذا كان الناس يعانون من التمييز العنصري.
وعليه فإن المؤشر يقيس النتائج الحقيقية على أرض الواقع لحياة الناس العادية، يقيس هل يعيش الناس حياة طيبة أم لا، والذي من المفترض أن يكون هو الهدف الأساسي لكل خطط العالم التنموية، قبل أن يغزونا الهوس الاقتصادي ويشوه مفاهيمنا وحياتنا.
إن تبني هذا المؤشر كمعيار للنمو سيوجه الحكومات لتفعيل مراكز الأبحاث والإحصاءات التي ستكتشف ما هو الاحتياج الحقيقي للناس، والذي من المفترض أن تبنى عليه الخطط، وتوجه إليه الجهود، وهو أيضا صحوة لنا كأفراد مسؤولين في المجتمع بالتخلي عن ثقافة الاستحقاق، وإلقاء كل الحمل على الحكومات، وتبني ثقافة المبادرة، بأن نتعاون في مشاريع تسهم في النماء المجتمعي، كل بما يستطيعه ويقدر عليه، فحينها فقط ستبدأ تلك الفجوة ما بين الجهود الجبارة، ومستوى رضى الناس في التقلص، وحينها فقط سنبدأ في تحقيق معادلة القرن الواحد والعشرين (اصنع فردا كريما، لتصنع بلدا عظيما).
وسنعرض في مقال لاحق بإذن الله تجربة لنجاح التقدم الاجتماعي من حول العالم.
شخص سعيد في أي مكان
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
