لعل أفضل تصوير لداعش هو رسم كاريكاتوري يمثل داعشيين بحالة استرخاء وأحدهما يقول للآخر: لقد نحرنا جميع الكفّار وآن الأوان أن نجلس لننتظر يوم القيامة!
داعش لم تعد متخصصة بقتل البشر فقط، بل لتدمير الذاكرة الإنسانية، مشكلة داعش مع الكل، هي تريد فعلا القضاء على البشر والحجر والحياة، آخر ما قامت به تدمير قوس النصر في تدمر، ولأن مشكلتها فعلا مع الحياة، لذا اختارت أقدم المدن التاريخية في العالم والتي تعود معالمها الحضارية إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، والتي ازدهرت بشكل خاص في عهد الملكة زنوبيا ونافست الحضارة الرومانية وقتها، وأدرجتها منظمة اليونيسكو عام 2013 على لائحة التراث العالمي المعرض للخطر، وقبلها دمرت ذاكرة الموصل بداية بجامع النبي يونس ومتحف الموصل، وقلعة تلعفر، وبوابة تركال، ومدينة نمرود، وغيرها، جميع هذه الأماكن مرّ فيها البشر (الأسوياء) بمن فيهم (المسلمون) التي تدّعي داعش أنها منهم، ولم يهدم هؤلاء أيا من هذه المعالم، لذا وفي غمرة ادعائي الآن بمعرفة داعش لو فاجأني سؤال: ماذا تعرف عن داعش؟ فإنني سأطيل الصمت، وقد أكون أكثر شجاعة وأعترف بأنني لا أعرف عنها شيئا!
أعرف عنهم، لكنني لا أعرفهم، أعرف أنهم يقتلون حتى الجماد، لكنني لا أعرف لماذا يفعلون ذلك، أعرف أنهم يمثلون أقصى درجات الجنون والانحطاط، لكنني لا أعرف سر صمت العالم الذي يدّعي الإنسانية، وقبلها لا أعرف السر الذي جعلها تقدم نفسها (إسلامية)، لماذا لم تكن تنظيما مسيحيا أو يهوديا متطرفا؟
أعرف أنها (محترفة) جدا بالتجنيد، فهي تستطيع أن تصل لأخي الصغير الذي يجلس بيني وبين والدتي وتحوله لقنبلة تقتلنا جميعا، لكنني لا أعرف كيف وصلت له، وكيف أقنعته في دقائق بأن كل ما تعلمه بسنوات من مبادئ وأخلاق وقيم ما هي سوى هرطقات عليه أن يتبرأ منها بقتلنا، هل وصلنا لدرجة أن كل مخلوق على وجه هذه الأرض لا يعدو كونه إما «داعشيا، أو مشروعا محتملا للتدعشن» أو «هو هدف للدواعش»، وكأنه لا يوجد سوى خيارين، إما تكفر بكل الأديان وتكون داعشيا تكفر الكّل، أو أن تكون كافرا فيقتلك الدواعش، (يا لبؤس الخيارات)، ومع أنني أجزم بأن داعش في النهاية ستقتل نفسها، فكلما تمدد نفوذها وكثر أتباعها فإن ذلك سينعكس سلبا عليها وستبدأ بالتقاتل بينها، ويبدأ يكفّر بعضها بعضا، كما حدث في التنظيمات المتشددة من قبل، لكن هل يعني هذا أن ننتظرها حتى تصل لتلك المرحلة، بالتأكيد لن ننتظر، لأنها لن تصل لتلك المرحلة قبل أن تبيد البشر (الكفار)!
هل تفكر داعش بأن تعيد الأرض نظيفة كهيئتها قبل أن يهبط إليها آدم؟ ربما أتقبل هذه الفكرة من معتوه، وعليّ قبل ذلك أن أتقبل أن الدماء مسحوق جيد لتنظيف الأرض!