تحدثت في المقالة الماضية عن القرى، وجال الحديث في العديد من المشاكل الأمنية والبيئية والصحية والتنموية والثقافية، ولأهمية الموضوع سأستكمل الحديث عنه لما أعلم من المشكلات التي تؤرق قرى الوطن العزيزة، فما تزال بحاجة إلى الكثير من الخدمات التي تيسر سبل العيش لقاطنيها، للحد من هجرتهم التي أثقلت كاهل المدينة، وجففت القرى من أبنائها ومنتجاتها المهمة، سواء في مجال الزراعة والغذاء أم في مجال الثروة الحيوانية ومنتجاتها.
يعاني أبناء القرى اليوم من شح خدمات السفلتة، ووعورة الطرق التي يسلكونها سواء معاناتهم من (التغريز) في الرمال، أو تحلحل سياراتهم في حجارة الأودية (الرصاع)، أو (بطناج) الطرق الممهدة التي تمر على صيانتها سنوات وسنوات، إذ يعبر سكان القرى مسافات طويلة إلى المناطق التجارية، من أجل الماء المحلى، أو المواد الاستهلاكية، أو الأعلاف، أو الغاز، أو مراجعة المستشفى، أو الدوائر الحكومية، أو ارتياد المدارس والكليات البعيدة عنهم، وغيرها، وبخل الجهات الحكومية في تعبيد طرق تنقلاتهم يضاعف معاناتهم، فهم لا يطالبون بفتح فروع لكل الجهات الخدمية في قراهم، بل يتمنون تيسير طرقهم إلى تلك الخدمات، والإحساس بمعاناتهم المستمرة.
وفي مجال الخدمات أيضا فإني أستغرب في عصر الحكومة الالكترونية أن يبقى كثير من القرى معزولة عن العالم، فشركات الاتصالات تتلكأ في تقديم خدمات الاتصالات لهم، فيضطرون للخروج إلى مناطق نائية للعثور على شبكة الاتصالات، وكثير من أبنائها يفوتهم التسجيل في الجامعات والكليات وبرامج قياس، أو التقديم على الوظائف، أو تحديثات (حافز) على أقل تقدير، وغيره الكثير.
ويعاني أبناء القرى من تفشي الفساد الإداري في كثير من الدوائر الحكومية المحيطة بهم، فالقرابات والقبليات تلعب دورا بارزا في كثير من الحيف الذي يصيب بعض المواطنين، إذ تقلب القضايا رأسا على عقب، فلا تستغرب أن تضيع معاملتك فجأة، أو تسقط منها ورقة، لتدخل في فلك المراجعات المرهقة حتى تسأم وتصمت عن حقك، أو قد يغرر موظف فاسد بأمي لا يقرأ ولا يكتب ليوقّع على أوراق تسلبه حقه أو تدينه، ناهيك عن انتشار الرشوة وتبادل المنافع على حساب أصحاب المظالم والحقوق، في استغلال لجهل الكثيرين بالأنظمة واللوائح.
أما على صعيد القضاء، فكثير من مصالح أبناء القرى معطلة؛ لأن المحكمة القريبة منهم بدون قاض بعد نقله أو تقاعده، وإن جاء بديل فمنتدب ومعظم أيام السنة في إجازات متوالية، وإن (قدر الله) وحضر فتسويف وإجراءات بعيدة المدى، فلا يمكن حل القضية في أقل من بضع سنوات دون دماء، فإن سالت سُرّعت الإجراءات بنزع الملكيات وإيغار الصدور، مما ساهم في تفكك الكثير من المجتمعات القروية وتجافي أهلها حتى غاب التعاون، وتقطعت أواصر القربى، وفتح الباب أمام المحاكم القبلية التي غالبا ما تحابي أصحاب النفوذ لاعتبارات خاصة يعلمها أبناء القرى.
ويصنع الفراغ القضائي، والفساد الإداري معضلة كبرى لأبناء القرى، إذ يظهر مرتزقة يعتاشون من مشاكل الناس، فمن السائد أن يبتليك أحدهم في أرضك (مثلا) لتحاول اكتفاء شره بإعطائه المال أو السكوت عن تجاوزاته في الأراضي العامة أو ممتلكات الضعفاء، وهؤلاء يُسمّون (الدعوجية) في المراكز الإدارية والشرط والمحاكم، إذ يكثر ترددهم في العديد من القضايا، حتى بنوا أواصر مع بعض ضعفاء النفوس في تلك الأجهزة، يشجعهم صمت الجهات عن الحق العام في ابتلائهم لخلق الله، وإشغال السلطات، وعدم إثباتهم لدعاواهم الكيدية الكاذبة.
وربما لدى القرويين الكثير من المعاناة التي لا أعلمها، وهنا يأتي دور الإعلام في استقصاء احتياجاتهم، ونشرها على رؤوس الأشهاد بالصوت والصورة، وبالأفلام الوثائقية، فللإعلام دور مهم في هذه المسألة، وواجب وطني يجب ألا يتأخر عنه، رضي من رضي وضاق من ضاق، فإن لم تكن الشفافية ديدن الإعلاميين فستظل المعاناة جاثمة على كواهل أبناء القرى، وستبقى أعذار المسؤولين الكسالى إسفينا في عجلة التنمية في تلك المناطق.
وختاما أرى أن تبادر إمارات المناطق إلى توجيه الجهات المختصة لحصر أعداد الشباب العاطلين في القرى، وإجراء الفحوصات الطبية، وتحليل الدم العشوائي، لمعالجة المراهقين من المخدرات، ووقايتهم والمجتمع من شرورهم، ثم تكليف الجامعات والجهات التعليمية القريبة والشؤون الاجتماعية بدراسة حالات القرى، وأن يقف كل مسؤول بنفسه مع كل الجهات المختصة لدراسة احتياجات القرى، وإدراجها في ركب التنمية عاجلا، وصياغة خطط تنموية تضع المستقبل العام للوطن نصب أعينها، وتجعل القرى رافدا مهما من روافد التنمية الوطنية، إضافة إلى تشكيل مجالس حكماء في كل منطقة ترشد القضاء والجهات الحكومية للحد من ظاهرة المرتزقة (الدعوجية)، وحماية المواطنين منهم، وكذلك تفعيل جانب دور نزاهة والمباحث الإدارية للقضاء على الفساد بأنواعه في الجهات ذات العلاقة بحياة الناس ومصالحهم.
ما يحتاجه أبناء القرى
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
