تخرج على وجه الأرض جنينا بريئا يصرخ بأصوات غير مفهومة، وبحروف بدائية، وتستمر قابعة في مهدها لا يعرف كنهها إلا أهلها الأقربون.
وتظل بعد ذلك عصورا طويلة تشرب وتتغذى وتقوي من حبالها الصوتية، حتى تمتلك القدرة على التواصل بكلمات بسيطة تزيد فيها الإشارات، وتبدع خلالها الملامح بالتشكل.
وتتقاطر عليها الكلمات المستجدة، والمنقولة من على البعد، حتى تضحي قادرة على الحركة والحبو للخروج من مهدها، مبشرة بأنها ستسير يوما من الأيام دون مساعدة من يد حنونة، ودون حمل فوق الأكتاف، ودون عكازة تتوكأ عليها.
عصور فلا تلبث أن تصبح صبية فتية تقف على قدميها، برشاقة وإعجاب بالذات، وتجري وتتمكن من الرقص والدوران برشاقة وعنفوان، ويصبح لها من العشاق الملايين.
كلهم يعشقونها، ويرعونها، والبعض منهم سيزيدها جمالا وروعة، بأن يقوم بإلباسها أجمل الأثواب، ويهديها أندر الدر وأشهى العناب، ويقوي ساعدها، ويحدد خطوتها، ويزيد من مساحات حريتها، ويجدد نشوتها، ويلمع وجنتيها، لتبلغ القمم، وتتزين بالروعة والإبداع والبديع.
ويوما ما ستكون محط اهتمام للجميع، وسيأتي من مثيلاتها عدد كبير ليتواصلوا معها، ويعرفوا أسرار جمالها، ويهدوها من أسرارهم الكثير، وربما يأتيها النصيب فتقترن بمخلوق آخر مثلها يشبهها، ويجد فيها نقاط رزانة وجمال وجذب وتقارب.
أعراس تتم، وزينات تعلق، وقرع طبول، والنتيجة أن تكون في يوم من الأيام حبلى، وأن تنجب الأولاد والبنات، وأن يرتصوا من حولها يحتمون بها، ويأكلون من يدها، ويلهون على أطراف حديقتها.
كل طفل لها سيكون قريب الشبه بإخوته، وإن اختلفت طرق معيشتهم، وتباعدت وتنوعت مشاربهم.
وقد تستمر المخلوقة بكامل عافيتها، وقد تتنازعها الأمراض والحسرات، وربما تدخل في مراحل عطش وجوع، وربما ترتحل عن أرضها، ويتبدل لونها، وربما تشحب وتصاب بالهزال وينكرها البعض.
عندها ستشعر بأنها لم تعد أصيلة بعد أن داخلها الزيف من كل صوب، وضاعت متانة شخصيتها، ولم يعد الكثير يميزونها، فهي تضحي بملامح مستنكرة، وكلمات مكسرة مستغربة، وملابس تشنشن، وتعنعن، وتصيب النظر بالزغللة.
ومن كثرة ما يداخلها، ربما تفقد وثائق حريتها، ويدعي البعض ملك بعض منها، ويحلف الآخر أنه هو من أهداها أجمل ما فيها، ويحتل القوي مزاياها، ويبدل من طوب وأساسات كينونتها، فتغدو غانية لا تُحترم وهي تترامى بين أحضان الأغراب والسياح.
وربما يلازمها خبيث المرض فتضطر لتجرع أنواع من العقاقير المرة، وربما السموم، فيزداد مرضها وتتوهن مفاصلها أكثر، وتنطفئ لمعة طلتها، وتتعثر وتتباطأ خطوتها، وينحني ظهرها، وربما يأتي عليها يوم أسود الطلعة، وتجدها بعده جثة هامدة.
سيذكرها البعض ويترحم عليها رغم اندثارها، وربما يرجع البعض لإحيائها من بعد موات، بالغوص في تاريخها، والتمعن في مخطوطاتها ونقوشها.
أعرف مدى نهمكم لمعرفة من أقصد، وأنا أحاول أن أكتب مقولتي عن اللغات، بائدها، وسائدها، وأن أشرح مغبة ضياع اللغة المحكية بما يحدث حولها من تداخلات باللغات الأخرى، وإلى أين قد يؤدي ذلك.
البحث لم يكتمل، ولعلنا نكمل بعض أجزائه بالحديث عن حلول مؤكدة لحفظ هذه المخلوقة، اللغة العربية!.
إنها مخلوق
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
