ما بين وقع مطارق الحدادين، وأياد تحيك من الخوص متاع الأهالي، حزمة من الضوء يبحث عنها المصور السعودي المحترف خالد البدنة، فيجد نفسه متورطا بين 60 و70عاما من التفاصيل لأولئك الكادحين، الذين يحتضنون تراث الوطن من الاندثار، فيطاردهم بعدسته أينما وجدهم.
البدنة لم يعر اهتماما كبيرا لإظهار حرفهم التي يمتهنونها، بل يخفيها، ليترك للجمهور المتصفح للصورة مجالا مفتوحا لاكتشافها من خلال الجهد المعتق على ملامح أصدقائه، كما يسميهم، فثمة سمرة جميلة تكوِّن علامة سيميائية في محور أعماله، وحمرة مشوبة بتراب الأرض تنبئ بأن العم أحمد كان بناء بالطين مشهورا، إلا أن الإغفاءة الطويلة التي تكلل محيا الجد التسعيني صالح كفيلة بأن يعرف القارئ والمشاهد للصورة أن الحقل بلغ ذروته في إنهاك ساعديه السمراوين، فأوصى بأن يغطى لحده بجذوع النخل التي طالما احتضنها بصدره.
أعمال افتتانية يقودها الضوء واللون بعدسة البدنة المسكون بملامح الكبار القدامى، وحرص أن يقدمها كـ»بروتريه»، لكنها تحمل في مضامينها أبعادا أخرى غير التي نراها.
يقول البدنة لـ «مكة» أحرص كثيرا على حضور المهرجانات الشعبية في السعودية ودول الخليج العربي بحكم رئاستي للجمعية العربية السعودية للتصوير الضوئي بالسعودية سابقا، وأقصد أولئك الكبار الذين أنهكهم التعب، وعصرتهم الحياة عصرا، لو أدركناه لما تحملناه، هناك مئات السنين أراها إذا اجتمع اثنان منهم أمام العدسة، أهيم في عالم آخر معهم، وهم الهائمون قبلي في عملهم، حتى إن انسجامهم الحرفي التام يذهل الحاضرين، لا شيء تملكه دون أن تسرح معهم إذا اجتمع الزمان والمكان بك فيهم ليكونا لوحة فريدة من تقاسيم الوجه وتعابيره، وتلك التجاعيد لتروي كثيرا من القصص من الزمن البعيد، وتلك الشعيرات البيضاء في رؤوسهم سمة وقار مهيب.
البدنة يوثق بالضوء ملامح الحرفيين
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
