كل من يريد زيادة حظوظه من تبعية الناس له رغم ظلمه يرفع شعار محاربة “الفساد” ويبقى على هذه الكلمة أن تعمل عمل الفيروسات في ذاكرة المتابعين بسرعة هائلة وقوة محكمة ينجذب نحوها جميع الأسوياء والمساكين والكادحين وهم لا يدرون بأن احتراق الشعار المرفوع حتمي، وإنما هو ليغطي به الفاسد زورا وبهتانا كل يمين حلفه وكل وعد قطعه.
وعلى هذا المنوال يسير الناس دون توبة واعتبار مما وقع فيه السابقون أو استسلم له السلف، لأن الخلف يتصرف وفق الطبيعة الإنسانية الصرفة التي لا يحكمها عقل ولا تدبر ولا بصيرة، وعلى ذلك فلا أمل في أن تفسد هذه الطبخة التي يعدها دعاة محاربة الفساد من الفاسدين بسبب أنهم عرفوا من أين تؤكل كتف الشعب ومن أين تورد إبل التغرير.
القلوب تحب سماع الفضائل وتعشق كلمات الأنوار والمجتمعون في أي مكان يطمئنون لمن يخدرهم بأنه المخلص لهم والمنقذ لهم من ثالوث “الفقر والجهل والمرض” ولو لم يصاحب ذلك فعل من أفواه أكلت حتى شبعت وغصت وأتخمت فللبيان سحر وللبلاغة أثر وللنعاس لذة وللنوم سلطان.
كون كثير من دولنا العربية على قائمة الأمم المتحدة السنوية للدول الأكثر فسادا ماليا وإداريا لم يثن القائمين على ضخ الفساد في الوطن العربي كطاقة يتولد منها هدم الأوطان وسحق الآمال، فالفساد بدا أخيرا أنه منا وإلينا وليس مستجلبا أو واردا من جهة خارجية كما يحلو لكثير من العجزة أن يصوروا لنا الحال بأنه مؤامرة من خلق الله في الأرض علينا كأننا ضحية تستلذ هذا الدور.
مصادر الفساد بالمعنى الذي يفهمه العامي والمثقف هي نفوس زين لها الشيطان الاستئثار بالرغبات وساعدها على ذلك سكوت أهل الحقوق ورضا القاصرين بالقليل وتقديم المصلحة الشخصية على مصير الأمم في بيئة تكاثرت فيها طفيليات الفاسدين وميكروبات المفسدين، فالفساد لا يحتاج لمن يحاربه بقدر ما يحتاج أن لا نفسد في الأرض بعد إصلاحها.
الفساد يأتي على أصل الشعوب وثقافتها وأيدلوجياتها ويتركها خاوية من الداخل تتقاذفها الأمواج حيثما توجد بذرة فاسدة وفسيلة مفسدة لا يصلح معها قانون ولا تنظيم ولا إصلاح لأن عطار هذه الأيام أقل قدرة على إصلاح ما أفسده الدهر من عطار العصور الزاهرة للأمة الإسلامية والشعوب العربية السابقة، فالنظرة الشمولية وروح التعاون ونظرية الجسد الواحد التي افتقدناها بسبب المظاهر الدنيوية والشهوات الإنسانية المنسلخة من كل دين وخلق هو ما جعلنا يفسد فينا الصالح العام دون أن نشعر.
في عالمنا العربي الفقير يفسد بطلب راتب من غير عمل والغني يفسد بطلب عمل من غير أجر وما بينهما فاسد يسعى لتوفير المال لمن لا يستحق غضا للطرف عن توفير عمل من غير حق لصاحب جاه، والطالب يفسد فيطلب علما من غير تعلم والمعلم يفسد فينشد تعليما من غير علم، والمريض يفسد باعتبار الصيدلي طبيبا والطبيب يفسد باعتبار المريض صفقة.
من الفساد أن تسير معاملات 20% من الناس عن طريق المعرفة والصداقة، ومن الفساد أن يتقدم في الدور 15% من الناس بسبب وظائف آبائهم أو أبنائهم أو زوجاتهم أو أبناء خالهم، ومن الفساد أن تتغير معاملة الدوائر الرسمية والأهلية لـ 10% من الناس بسبب أنهم يملكون من الأموال والأصول الثابتة والمتنقلة ما يجعلهم يتنقلون فوق رقاب الخلق بحرية فاسدة، ومن الفساد أنك تحتاج لقضاء 50% من شؤونك عن طريق علاقة لك مباشرة بمن يعمل في تلك المصلحة أو علاقة لك بآخر له علاقة مباشرة بمن يعمل في تلك المصلحة.
لا يقتصر الفساد على ممارسات لأصحاب “التوقيعات” والمسؤوليات العليا، بل إن فساد أخلاقيات المجتمع وفساد اعتباراته وفساد فلسفته ونظرياته هي المرض والممارسات عوارضه، فقد أتى زمان علينا ـ ويا للأسف ـ أصبح فيه غير المعقول دينا وغير المستساغ خلقا والظلم ضرورة.
وقد تعلمنا صغارا بأن ما يفسد من الأطعمة أو المواد مصيره “الرمي والاستغناء” ونخشى أن يكون العالم يتعامل معنا وفق هذه الطريقة الكونية في فساد الأشياء، لذلك ينظر لنا الآخرون بأننا على هامش التاريخ والحسابات والاعتبارات في كل شيء وبكل محفل نتيجة صنعنا بأنفسنا وليس لصنع الآخرين فينا لنعيش ونموت على فساد، والله لا يحب الفساد.
والله لا يحب الفساد
محمد أحمد بابا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
