شدَّني الشوق إلى كتب التراث النقدي العربي، وقلت: لعلني أجد هناك ضالتي وبغيتي، أن أقف على أصول التذوق، وليس لي من غاية إلا أن أقرأ وأفهم وأتعلم، فخير القراءة ما كانت المتعة غايته، ورغبت في أن أجعل كتاب «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجمحي رفيقي في تعرُّف أصول ذلك الذوق العربي القديم، قبل أن يصبح مألوفا اتخاذ بلاغة اليونان سبيلا إلى مدارسة الشعر القديم.
قرأت في ذلك الكتاب مبادئ أصيلة لتذوق أصله خبرة جمالية تكونت لدى نقاد العرب، قوامها المدارسة والمكابدة والمعرفة، فالنقد ليس رسوما وقواعد يتهجاها الدارس، فيصبح، من فوره، ناقدا، ولكنه جماع خبرة تفعل فعلها في عقل القارئ ووجدانه، ليس لها صفة مهما أردنا بيانا لتلك الصفة، فالأمر أشقّ من وضع الحدود والرسوم، والناقد يشبه الصيرفي الذي تمكنه خبرته ودرايته من فحص الورقة الصحيحة من الزائفة، دون أن تسعفه كل محفوظاته من تعليل ذلك وتفسيره، لكننا نطمئن إلى ما أنبأ به، ولا يساورنا شكّ في خبرته وتجربته.
وأنا أعيد طرفا من شغفي بهذا الكتاب إلى انقطاع العلَّامة محمود محمد شاكر حينا من الدهر ليس بالقصير، إلى قراءته ونشره، والحق أن القراءة لا تكتمل ما لم يُجِلِ القارئ بصره في تلك الهوامش النفيسة التي نثرها الشيخ في كل صفحة من صفحات ذلك السِّفْر النقدي النفيس، وعلى كثرة ما قرأت هذا الأثر الذي تحدَّر إلينا من تراثنا، وعلى دوران رسومه وكلمه في عقلي، فأحسب أن قراءتي هذه الحاضرة قد جلت لي غير قليل من أصول التذوق عند العرب، وزاد تلك المعرفة أن الشيخ محمود محمد شاكر أنفق عمره كله، منقِّبا وباحثا عن أصول التذوُّق، حتى عُرِف، من بين كل الدارسين العرب، بأن له منهجا أصيلا في التذوُّق، ترتفع أصوله إلى منابع البيان العربي.
قرأتُ «طبقات فحول الشعراء»، ولم أكن لأبتغي من وراء تلك القراءة، إلا تكوين ملكة التذوُّق، ومما نفع بهذه القراءة أنني كنت أتلذذ بعبارة ابن سلام الجمحي، أتأمل كلماته كيف يصوغها؟ وجمله كيف ينظمها؟ وتملَّكني إحساس أن أثرا من ذلك الناقد العظيم بتّ أُحِسّه، وكأنني أطعم البيان العربي أول مرَّة، وكنتُ أدير عينيَّ بين المتن والهامش؛ أقرأ في الهامش عبارة ابن سلام، وأتأمل في الهامش قراءة أبي فهر، فأخرج من تلك السياحة، وأنا أدنى صلة إلى منابع البيان العربي، فالكتاب، وهو من النقد المبكر، جِمَاع مذهب العرب في الشعر والنقد، وفيه نظهر على أصول قديمة لتذوق الشعر والبيان، وكأن الشيخ محمودا ادَّخره التاريخ لهذا الكتاب، وحين أدار بصيرته فيه، أنهى مكابدته فيه إلى قارئه، فاستقام للقارئ فهم بمضايق النقد والشعر، ما كان له أن يبلغه لولا تلك القدرة التي أوتيها محمود محمد شاكر، فكان، بحقٍّ، قارئا عظيما لتراث عظيم.