العاطفة والعقل طرفان يتجاذبان بعضهما، وتجاذبهما أزلي، ويختلف من شخص إلى آخر، وقد يصدر البعض في كل أموره عن العاطفة، وقد تغلب العاطفة في بعض المواضع دون أن يشعر بها الإنسان، وهنا يكون الإجراء أو القرار الذي يتخذه الإنسان بحق نفسه أو بحق غيره عرضة للخطأ، وربما بعيدا جدّا عن الصواب؛ لأن هذا القرار تم اتخاذه على عجل، ولم يُبن على معطيات حقيقية، أو ينطلق من أمور واقعية، وإنما لعبت العاطفة دورها فيه، وأسهمت في تشكيله.
وثقافتنا العربية ومختلف الثقافات الإنسانية تحذر من عواقب اتخاذ قرار شخصي أو جماعي مبني على العاطفة، أو تكتنفه ظروف الفرح والارتياح، أو الغضب والاستياء، ومن هنا جاء التحذير من أن تعاقب وأنت غضبان، أو تكافئ وتعد بشيء في موقف الفرح.
وإذا ما تجاوزنا الأمور الفردية، والجوانب التي تتعلق بفئة محدودة من الناس، على الرغم من أهميتها، وأثر العاطفة في ذلك؛ فإن المشكلة تتمثل في استحواذ العاطفة على مجريات المشروعات الحياتية الكبيرة التي تمس مختلف الشرائح، وتتعلق بمستقبل الإنسان، وتشكل له حلما وهاجسا دائما، وهنا حين تكون العاطفة مصدرها، وحين تتشكل ملامحها من هذا المنطلق، دون قراءة فاحصة للواقع، فإن النتيجة بلا شك ستكون سلبية.
وحين يحل خطاب العاطفة بديلا عن خطاب العقل، يُشغل هذا الخطاب بإنشائيته وحماسه واعتماده على السجال البعيد عن الواقع أصحابه عن تقديم حلول حقيقية وواقعية وذات جدوى، أو تكريس الأفكار والرؤى حول الموضوعات أو المشروعات بشكل عملي إجرائي، يسهم في حل المشكلة بشكل واضح، أو يساعد على الأقل في الحد من آثارها، ويضع القدم على الطريق لبداية حقيقية وواقعية للمعالجة.
وإذا ما نظرنا بصدق ووعي وواقعية إلى كثير من قضايانا وأمورنا وهواجسنا التي تؤرقنا على مستوى العالم العربي والإسلامي، وأقصد القضايا العامة والهواجس التي تمس الثقافة والاقتصاد واللغة والمجتمع والهوية، وجدنا أنفسنا أفنينا الأقلام، وملأنا الصحائف بالحديث عنها، والتباكي على الماضي، والتغني بمجد أفل، والتشاؤم من الواقع والمستقبل، وجلد الذات، وعقد المقارنات بين الأمس واليوم، في حين تكاد تغيب الحلول والإجراءات العملية المنطقية عن خطابنا، وإذا ما وجدت في نطاق ضيق جدّا فإن التنفيذ غالبا لا يتم.
إن الكلام وحده لا يمكن أن يحقق نهضة، أو يرد فائتا، وإنما العبرة بالعمل الواعي والصادق والمخلص، الذي ينطلق من إحساس الإنسان بأهمية دوره في هذه الحياة، وبواجبه الإنساني، الذي يحتم عليه أن يكون فاعلا وإيجابيّا، ومن الخطأ والفشل أن يظل خطابنا حول القضايا الكبرى التي تؤرقنا سلبيّا، والسلبية تأتي من أن يشغلنا الحماس والسجال والبكاء على الأطلال عن أن نستشرف المستقبل، ونسهم في رسم ملامحه، عبر حلول وإجراءات عملية، في زمن لا يعترف بأنصاف الحلول.
العاطفة حينما تقود المشروع!
مفلح زابن القحطاني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
