وأخيرا عانق الغيطاني تراب مصر عناق الخلود، ولقد كان في حقيقته مسافرا إليه وراحلا صوب العودة إلى امتزاج العنصر بأصله والترابي بترابه، والمعنى بحقيقته.
الغيطاني والغيط، رحلة السبعين عاما في دوائر البحث والتردد الوجودي بين عاشقين، معشوقة كالمحور لا تتزحزح وهي مصر وترابها ونيلها وبحرها وتراثها وتاريخها ومجدها، وعاشق لا يفتأ يدور حولها كأنه فراشة تتريث في اقتحام النور والنار إلى حين.
(نزل عليّ الصعق، أدركني خرس فلم أنطق، وهذا حال أعرفه عندي أواجه به المصائب الفادحة، وشيئا فشيئا أعي، وربما نمت بعد ذلك أو بكيت أو صرخت هكذا، أصابني كمد عميق عميق...).
هكذا بكى الغيطاني المبنى الأثري «المسافر خانه» الذي احترق، وجاءه خبره وهو مسافر خارج مصر، وهكذا بكيت أنا الغيطاني، ولقد وصف نفسه عند الصدمات كأنه يصفني تماما، ولكنني حين قرأت خبر عناقه الأرض أصابتني حالة لا أعرفها من نفسي! وجدتني أبكي بلا تكلف ولا استعادة ذكرى، ليست الذكرى بيني وبينه شخصيا فلو رآني الغيطاني لعله لا يلقي علي السلام، ولكنني أنا أعرفه، عشته كثيرا، قرأته مرارا، بكيت حيث بكى، ضحكت حيث أرادني أضحك، ذهلت مما أذهله، عجبت مما أعجبه. وهكذا نحن مع الكبار، لا يعرفوننا ولكننا نعرفهم وكأنهم جزء مهم في حياتنا أو من بعض أهلنا.
بل إن رجال الأدب والتاريخ والفكر والعلم والتراث والفن وغيرهم، لا يملكهم أحد قبل موتهم، ولكن بعد رحيلهم يصبحون جزءا من التراث الوطني، وكنزا غاليا في ثروة الأرض، ويغدون وقفا على الناس جميعا.
الغيطاني نوع غريب من الأدباء والمؤرخين، كانت الأرض تعيش فيه منذ أن عاش فيها، وكان لا يستدعي الماضي، بل يذهب هو إليه ليرى ما فيه وكأنه مصور روحاني يتجول في اللا زمان وينظر في كل أجزاء المكان، وكان التراث الذي يخاطبنا عنه صورة منطبعة فيه، فلست تدري أيتكلم عن آثار البشر، أم يتحدث عن نفسه في آثارهم! امتزاج غريب، وطبع لم أشهده في مفكر أو أديب أو باحث عرفته!
استطاع الغيطاني أن يصور الذاكرة المصرية التي لا تُرى، واستطاع أن يستدرك المشهد الذي يُرى قبل أن تأخذه الأيام والأحداث. يقول رحمه الله عن مبنى «المسافر خانه» الذي احترق وكان مسافرا وقد احتفظ بصور كثيرة عنه وعن الحي المحيط به: (تطل «المسافر خانه» عليّ من أفق حياتي، من أقدم لحظاتي) ثم يقول: (كان مبنى «المسافر خانه» في طفولتي مثيرا للغموض، للخشية، للخيال). يقول: (يوميا منذ أن عرفت الضوء والفرق بين الليل والنهار والساعة والساعة كنت أطالع «المسافر خانه»).
في هذه القطعة التي لا يسمح المقام بسردها من وصفه الآثار ومشاهداته الطفولية تسمع صوت التراث في عبارة الغيطاني وقلمه، وتجده يحيرك في حديثه السابق وأمثاله، فلا تدري هل يصف، أم يئن، أم يعانق، أم يبكي، أم يتساءل!
وما ذلك إلا لشدة لهفته على استظهار الحقائق المبطنة من مكامنها، واستخراج ما خفي من كنوزها، إنه باحث يعمل بعاطفته كما يعمل بعقله وهذا سر من أسرار الغيطاني.
وعندما تقرأ «الزيني بركات» أو تقرأ «وقائع حارة الزعفراني» أو غيرهما، تشعر بأن أبطال الرواية وأشخاصها وأحداثها ومشاهدها هي التي تتحدث معك، وأن تاريخ مصر الشعبي بكل تفاصيله وجماله وفخامته وبساطته ينتفض أمامك، وكأن الغيطاني ليس هو الذي يحكي.
في حلقاته التي كنت أتابعها على قناة النيل وهو يتحدث عن مساجد مصر وآثار الفاطميين والمماليك، ويتنقل بين المساجد والأحياء والأزقة القديمة، ويجلس متكئا على بعض جدران المساجد ليصف لك ما بداخلها وهو ينظر إليها منشغلا عن الكاميرا والمصورين تشعر بأنه مجذوب إلى التراث جذبة السالك إلى عالم الماوراء! ينظر إلى الجدران والمحاريب والمنابر والزخارف وقطع الفسيفساء والنقوش، والأنماط الغريبة في تراث مصر الإسلامي نظرة العاشق لا نظرة المؤرخ، نظرة المتلهف للعناق لا المشير إلى الجمال! وبحق كان جمال عاشقا هائما في الجمال، ولقد ترك لهذا الجيل ومن بعده ألوانا من العاطفة والسمو والجمال.
في رحلته الصوفية الخطيرة في كتاب التجليات – أعظم عمل أدبي يرحل بك في عالم التجلي الصوفي - يبحر في بحر من فناء الجسد إلى فناء الروح إلى فناء الفناء، متدرجا من الكشف ورفع الحجاب، إلى رحلة الروح نحو عالم الغيب، واصفا الوجود بزمانه ومكانه، والوجود باللا زمان واللا مكان، ويصور لك المكانة الحسينية والزينبية في الوجدان والروح المصريين، يعجنك عجنا ويصهرك صهرا ما بين الواقع والخيال، والوجد والحرقة، والنعيم والقسوة، والحياة والموت، والمجتمع والانفراد، والسياسة والانعزال، والبداية والتكوين، والذات واللا ذات.
يأخذك نحو عالم بلا ماض ولا حاضر ولا مستقبل، فتشاهده مشاهدة اللحظة، ويدور بك في أنحاء من الدهشة لا تستطيع الرجوع منها إلا أن يعيدك هو إلى نفسك ويردك إلى مكانك.
رحل الغيطاني الراحل دائما، وانتقل المتنقل جاهدا، ما بين مصر والعالم، وما بين مصر ومصر نفسها، وما بين حارة وحارة، وما بين الآثار والحفريات والنقوش والطلسمات، ومن أزقة القاهرة الفاطمية إلى الأيوبية إلى المملوكية إلى غيرها، وحول المساجد والمعابد والكنائس والمتاحف والكتب والمخطوطات، وما بين الأهرامات وأسرارها، والإسكندرية وتاريخها شمالا، إلى الصعيد وأسوان والأقصر والنوبة جنوبا.
تجد في كتابه «ملامح القاهرة في ألف عام» ملامح الغيطاني نفسه تتقلب وتلاحقك في ملامح القاهرة، تجده وهو يدون الحياة والأحياء وآثارهم في دفاتر تدويناته يعيش معهم وفيهم (خلسات الكرى، رِن، دنا فتدلى، رشحات الحمراء،
نوافذ النوافذ، نثار المحو).
يبحث في ذاكرة النسيان لعمالقة الأدب والفكر والصحافة: (نجيب محفوظ يتذكر، مصطفى أمين يتذكر، توفيق الحكيم يتذكر).
وبين كتاباته سارت أيامه غير هادئة، كانت حياة صاخبة مليئة بالفكر والوجد والحسرة والحب والفرح والأمل والعطاء.
سحر الكلمة، رشاقة العبارة، فخامة المفردات، جزالة المعاني، بعد النظرة، سياحة الروح، عمق الفكرة.. كل ذلك كان الغيطاني يسير به في نتاج عذب قوي ماتع مذهل، فمن (شطح المدينة) إلى (متون الأهرام)، ومن (أحراش المدينة) إلى (أسبلة القاهرة)، ومن (حكايات غريب) إلى (أسفار المشتاق)، ومن (الصبابة والوجد) إلى (ذكر ما جرى) ومن (الخطوط الفاصلة) إلى (مقاربة الأبد).
ختم الغيطاني آخر كتاب له (حكايات هائمة) بقوله: لا أعرف إذا انتقلت مرئياتي إلى عتمة لا أعي أنها عتمة، فكيف يكون الحال مع التحول من طور إلى طور؟ هل سأهيم في كون أم أكوان؟) وداعا يا صوت التراث، ولعلك حين عانقت الأرض وانزرعت في ترابها ينبت منك مثلك هائم في التراث والوعي والغيب، ليقول عنك كما قلت عن الماضي يوما: (مر الغيطاني من هنا)... نم هانئا.
الغيطاني.. صوت التراث يعانق الأرض
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
