يتفق كثيرون على أن إحياء ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه جاء في حقبة متأخرة عن تلك الفترة التي استشهد فيها، فبعض المصادر تشير إلى أن أول من أحيا الذكرى هم البويهيون وهم شيعة فرس سيطروا على مقاليد الحكم تحت ظل الخليفة العباسي وحاولوا فرض المذهب على الدولة والمجتمع لكنهم عجزوا لأسباب كثيرة. لكن الحديث عن كون إحياء المناسبة متأخرا ليس ذا تأثير على المؤيدين لإحياء الذكرى، لسبب بسيط وهي أن البنية الفقهية للمؤيدين ترتكز على الاجتهاد وليس على التأصيل وحسب. المناسبة كما يدرك الملاحظ ليست مناسبة للبكاء والنحيب وحسب بل إن أبعادها السياسية جلية سيما في الاستثارة العاطفية للمشاعر وحشد الأتباع حول الفقيه وتعزيز السلطة المعنوية للمذهب.
وفي هذا السياق تأتي مناسبة إحياء الذكرى كتأكيد على الهوية المذهبية المتميزة عن البقية ليس فقط فقهيا ومذهبيا بل حتى اجتماعيا وسياسيا.
قد يقول قائل هناك آلاف الذكريات التي يحييها أصحابها حول العالم كذكرى الهولوكوست وذكرى إنزال النورماندي...إلخ، فلماذا هذه الحساسية من إحياء ذكرى استشهاد الحسين؟! حقيقة التساؤل جدير بالاحترام فليس مجرد إحياء الذكرى محل إشكال بقدر الإشكال الذي يدور حول الكيفية التي يتم بها إحياء الذكرى. ففي مناسبة الإحياء لا يتم الحديث عن تضحية الحسين واستبساله في مقاومة الاستبداد واستثمار هذه المناسبة للتأكيد على كرامة الأمة وحريتها وحسب، بل تغرق المناسبة إلى أعقد من ذلك وتنحى إلى أن تصبح فيه الطائفة كما لو أنها هي وحدها ضحية الطغيان والاستبداد! ومن هنا يتحول خطاب الذكرى إلى قضية ثأر بين الطائفة والأمة وهنا يقع الإشكال. وعقدة الحبل تكمن في أن الحفاظ على أدبيات الذكرى وتحويل المناسبة إلى ثأر فقط من أجل تمييز الطائفة نفسها عن البقية ووضع مسافة بينها وبين الآخرين.
لكن هل ثمة ثأر بقي إلى الآن في القضية كلها؟!
الجميع يعرف أنه بعد مقتل الحسين ظهرت في أنصاره حركة التوابين يقودهم خمسة من أبرز شيعة الحسين ومعهم المختار الثقفي وقتلوا قتلة الحسين وفي مقدمتهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وعبيدالله بن زياد. ولما جيء برأسي عمر بن سعد وعبيدالله بن زياد لزين العابدين قال: «الحمد لله الذي أدرك ثأري من أعدائي وجزى المختار خيرا»، وقال محمد الباقر: «لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب ثأرنا»، وقال جعفر الصادق: «ما امتشطت فينا ولا اختضبت هاشمية حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الإمام الحسين». هنا ندرك من كلام أئمة أهل البيت رضي الله عنهم وهم أولياء الدم أن الثأر قضي في عصر متقدم سحيق وقضي الأمر!
وهنا يتضح أن خطاب الثأر الذي يردد في ذكرى استشهاد الحسين في كل سنة إنما هو فقط للبكاء على فشل النظرية السياسية التي انتهجتها الطائفة، فمثلما سقطت نظرية التغلب عن السنة وتبين تهافتها عبر التاريخ، سقطت النظرية الثيوقراطية والحق الإلهي المزعوم في احتكار آل البيت لقيادة المسلمين! جميعنا نعلم أن أول صراع الحكم لدى المسلمين كان بين جناحي عبد مناف الأقوياء بني هاشم وبني أمية. ثم لما آل الحكم لبني هاشم استبد بنو العباس بالحكم بعدما كانوا ينادون بحكم آل محمد وأقصوا بني علي فأصبح الصراع بين جناحي بني هاشم بني العباس وبني علي. وفي جناح المعارضة حصل الانقسام بين بني الحسن وبني الحسين، فيقول عبدالله بن الحسن المثنى: «كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن، هما في الفضل سواء إلا أن للحسن فضلا بالكبر؟!» ويقول جعفر الصادق: «وإن بني الحسن يعرفون هذا كما يعرفون الليل أنه ليل والنهار أنه نهار ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار». وكذلك حصل الانقسام في جناح آل الحسين فحصل الانشقاق العظيم بين أتباع موسى الكاظم وأتباع أخيه إسماعيل، ونتج عن هذا الانشقاق فرقتا الإمامية الاثني عشرية والإسماعيلية، ثم حصل الانشقاق بين أتباع الإسماعيلية ونتج عنه طائفة المستعلية (أتباع المستعلي) والنزارية (أتباع نزار) وكل طائفة تكفر أختها وهلم جرا. فكل هذا الصراع وما نتج عنه من تكفير كان في داخل البيت الهاشمي! حتى في ذكرى الحسين يردد دائما الحديث عن التهميش السياسي على مر التاريخ وجميعنا نعلم أن العديد من الدول الإسلامية كانت شيعية المذهب كالبويهيين والحمدانيين والفاطميين والأدارسة والزيدية شمال اليمن والقرامطة والحشاشين والصفويين. الذي أريد أن أقوله هنا كما ذكرت في السابق إن عاشوراء لم تعد إحياء لذكرى الحسين وتضحيته وحسب بل أصبحت بكاء على فشل النظرية السياسية وتطبيقها وتجلياتها عبر التاريخ.
عاشوراء.. بكاء على الحسين أم رثاء الفشل السياسي؟!
فايد العليوي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
