القلق حالة يمكن التعايش معها، واعتبارها مُحفزا للعمل والإنجاز، ويمكن أن تؤثر بشكل سلبي فتتحول لحالة مرضية، والخيار الثالث هو أن تتعقد الحالة أكثر وتصل لمرحلة (الفهاوة) – وأقرب ترجمة لها كلمة اللامبالاة – وهذه الحالة يُصاب بها الشخص نتيجة لتراكم الأشياء غير المفهومة، سيّما إذا كانت هذه الأشياء تمس حياته بشكل مباشر.
وهذه الحالة تشرحها بوضوح حالتنا مع وزارة الإسكان، رغم أننا نعرف ما نريد بالضبط منها، إلا أنها تبدو وكأنها تتجاهل ما نريد وما تُريد، فمع دخول موسم (الوسم) بدأت البشرى بـ(القرض المعجّل)، ولأننا عرب نؤمن بالفأل الحسن ونتطيّر من العجلة تمنينا أن يكون اسم القرض (القرض الميّسر) وهذا الاسم نتقبّله ليس بحسن ظن إنما من باب حالة (الفهاوة) التي خدعتنا بها البنوك حتى تعايشنا معها!
مشكلة القرض المعجّل أنه (عيار يدوّش) للمواطن، لكنه لا يخشى أن يصيبه، وتلك ليست شجاعة منه بقدر ما هو (تعايش) مع كلمة قرض، وكلام المتخصصين في المال والعقار يجلب الريبة، فالمؤيدون ينصحون بأن يُبادر المواطن للحصول على القرض من باب (هي خاربة خاربة) فالحصول على قرض الآن وشراء أرض بسعر يعادل دية خمسة أشخاص اليوم أفضل من الانتظار لسنوات ومن ثم شراء أرض بقيمة ومضاعفة، فهؤلاء المتفائلون يقولون لك ببساطة إن القادم أسوأ، وتعددت الأسباب والموت واحد!.
فيما الفريق المُمانع يرى أن تُحل المشكلة أولا، ويرى أن تحميل المواطن قرضا جديدا هو مضاعفة لمشاكله وليس حلا لها، أما أنا كنموذج للمواطن (المفهي) فإنني أتوجس خيفة وترددا، ليس لأن كل فريق يبدو مقنعا.
ولكن لأنني رأيتُ في وجوه العقاريين نشوة وبهجة، وفي أعينهم لمعة مكر، فالموازين تغيرت ولم يعد الوحش يفكر بالوقت المناسب للانقضاض على الفريسة، فـ(التطوير العقاري) ابتكر الكثير من الحيل التي تجعل الفريسة تنقض على الفخ بإرادتها، وبكل نشوة و(فهاوة).
المهم أن الفخ أنيق وجميل ولا يعوقك عن التنفس بهدوء وأن تنعم بالأُكسجين المجاني، وحتى ممارسة (اليوقا) في القفص الجديد، ولهذا لا تشغل نفسك بالقفص، ولا بالصيّاد، فقط تخيّل أنك عصفور جميل تغنّي للحب والحياة والحرية، اغمض عينيك عزيزي (المفهي) – على اعتبار أنك كنت ترى ما يُحاك لك في يوم ما – وتخيّل نفسك في بيتك الجديد متمددا على الأريكة التي تتوسط الصالة الكبرى.
حاول أن تشغل نفسك عن صراخ أطفالك وهم يلهون في حديقة المنزل الأمامية، تذكر الأمس القريب جدا الذي قررت فيه أن تمتلك منزلا وأرسلت «ايميلا» لوزارة الإسكان، وكيف بقيت بقية اليوم تختار بين نماذج الوحدات السكنية الأنيقة التي عليك أن تختار إحداها، لا.. دع هاتفك، هذه رسالة من المصرف تخبرك بأن حسابك (لم يعد جاريا)، لا داعي لأن تشغل نفسك بأشياء واقعية، تذكّر أن هذا الغلاء في الدنيا فقط وواجهه بمزيد من الفهاوة!
أحلام «مفهي» بقرض معجل!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
