في ظني أن الحاجة إلى ما يصون الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في بلادنا لم تكن تقبل التهاون أو التراخي إلى أن نستيقظ على الفجيعة في حادثة راكب التاكسي التي أرتنا في التصوير المنتشر لها، إهانة شاب متعصب لرجل مسن في عمر أبيه، بسبب طائفي.
نعم، إنها فجيعة وطنية فضلا عن أن تكون كارثة دينية وأخلاقية وإنسانية؛ وذلك لأن تصوير الشاب لإهانته للرجل دلالة على مخاطبته جمهورا يتوقع ثناءه على فعله، وهو لا يقصد الثناء عليه مذهبيا بل وطنيا، خصوصا وقد كان الشاب يهدد السائق العجوز لأنه يعلق في سيارته التاكسي رسم الحسين، بأخذه إلى دورية الشرطة، متوهما أنه يصنع بطولة ويقدم نموذجا للمواطن الصالح، وهو في الحقيقة- يصنع جريمة ضد الرجل وضد الوطن والأخلاق والإنسان. ولذلك لم ينقض اليوم إلا وهو في قبضة الشرطة.
الحادثة هكذا دليل على أن هذا الشاب لا يفقه معنى الوطن إلا بالمعنى الطائفي، ولا يفقه الدين إلا بالمعنى المذهبي. بل قد نقول إن عدم احترام شيبة العجوز والإشفاق على توسُّله دليل على أن الشاب لا يقيم وزنا للمعنى الإنساني خارج حسابات التصنيف الديني المذهبي. وهذا هو الوجه الذي تتضاعف به الجريمة، فتغدو جريمة بالمعنى الوطني والديني والأخلاقي والإنساني.
وما دام الأمر كذلك، فإن الشاب لا يحمل من الجريمة إلا تقبُّل الفكر الطائفي وفِعْل الإساءة؛ فالجريمة أكبر منه، لأنها جريمة الفكر الطائفي والعنصري نفسه الذي يموه نفسه ويُلبسها زورا لباسا وطنيا ودينيا، يوهم البسطاء والجهلاء. والمؤكَّد أن لهذا الفكر رموزه ودعاته والمحرضين عليه ممن تخفى مراميهم في احتكار المعنى الوطني والديني على مثل هذا الشاب؛ فيغدو هو وأمثاله وقودا للطائفية التي لا يتهدد وطننا الآن خطر أكبر منها ومما يجري مجراها من المعاني العنصرية والقبلية والمناطقية والحزبية.
لم نكن بحاجة إلى هذه الحادثة لنتذكر أهمية صيانة الوحدة الوطنية؛ فالوحدة الوطنية ضرورة مبدئية للوطن وأبنائه، وما دامت في حكم الضرورة المبدئية فإن التساؤل عن الأسباب التي تدعو إلى صيانتها، يناقض ضرورتها المبدئية؛ فالأسباب دلالة على ما يحدث ويستجد في الزمن، والضرورة المبدئية تسبقها، فكأن التساؤل عن أسباب جديدة تدعو إلى صيانة الوحدة الوطنية، ينفي صفتها المبدئية والضرورية التي تسبق ما يحدث من أسباب وتتحسب لها. إنه تجاوز عن المبدئي والكلي إلى الجزئي والعرضي. هذا هو المنطق المبدئي الذي يجعل كل تساؤل عن الحاجة المستجدة إلى صيانة الوحدة الوطنية سؤالا مناقضا لمبدئيتها وضرورتها، ويجعل الاعتراض على نظام يحميها، دلالة على وعي أقل تمثلا للمبدئي والضروري فيها.
وعلى رغم ذلك فإن الوعي بأهمية الصيانة للوحدة الوطنية الآن، يجمع بين صفتها المبدئية والضرورية تلك، وبين حدوث الأسباب التي تدعو إلى نظام يجرِّم العدوان بأي شكل على الاختلاف بين المواطنين في مذاهبهم وألوانهم ومناطقهم وأنسابهم، ويعاقب عليه. فمن لم يدرك ضرورة التعايش والقبول للمختلف والاحترام له بوصف ذلك مبدأ وطني لا بديل له إلا قلاقل السلم الأهلي وقانا الله شرها، فإن الأسباب الحادثة تفرض الوعي به فرضا.
فلم تكن في الماضي وسائط التواصل الاجتماعي التي تطفح في السنوات الأخيرة بالفئوية والعنصرية والقبلية والطائفية من أبناء الوطن تجاه غيرهم من أبناء الوطن. ولم تكن القنوات الفضائية التي تشتعل بكل ما يقدح في وحدة أبناء الوطن. وهذه منابر المساجد ومحاريب الوعظ تثير النعرات وتوقظ الحزازات بين أبناء الوطن الواحد متمسحة بالدين وموهمة عوام الناس أنها تنطق باسمه.
هل نحن بحاجة إلى حادثة أخرى تذكرنا بالوطن؟!
كلا، فالوطن ليس أنا.. ولا أنت، بل نحن.
نحن القبضة الواحدة..
نحن جميعا.
نحن القبضة الواحدة.. نحن جميعا
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
