نجد مجموعة من الشخصيات المكية التي جسدها لنا حمزة بوقري من خلال رواية سقيفة الصفا، وتأتي ضمن محيطه الاجتماعي، منهم ذلك الرجل الذي يصفه بقوله «رجل انقبضت لمرآه نفسي كان طويلا..طويلا، يشد على وسطه حزاما أزرق باهت اللون، وينتعل حذاء باليا ذا إصبع من ذلك النوع الذي اندثر هذه الأيام، وكان يغرف بيده من الإناء ماء دافئا كان يصبه على الجسد المطروح أمامه وهو يقرأ ويتمتم بكلام لا أفهمه، وبين الفينة والفينة كان يقطع عمله ليشمر عن ساعديه ويصيح وحدوه وحدوا الله يا عالم» تلك الشخصية كانت هي شخصية مغسل الأموات، بلباس المهنة ومفرداتها.
أما عن فناني مكة فيصور لنا بوقري المزهد، والذي كان يزهد الناس في الدنيا بصوته الرخيم، ويشوقهم إلى زيارة المدينة المنورة، حتى إن بوقري لم ينس صوته الناعم الحنون، وهو يصيح الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، وكان دوره يشبه دور الحداة الذين كانوا يرافقون القوافل في التاريخ الإسلامي، وإن كان يبدأ في تزهيده قبل سير القافلة بعدة أيام، ويهدف إلى تخفيف وحشة السفر التي يتخيلها المسافر، وذلك بزيادة شوقه للمكان المزار.
كما يتحدث بوقري عن زوج أمه عرفان بك «الذي كان يركب حصانا، ويعمل دعوجيا أيام زمان، وكان يملأ ثوبه جدارة» ودور الدعوجي في المجتمع المكي سابقا، يشبه دور المحامي في المجتمع الحديث، فهو من يلجأ إليه أصحاب الحقوق لإثباتها أمام القضاء والجهات الرسمية، ويكتب العرائض والدعاوى ويقدمها، كما يعرف ثغرات القانون ويتقن الدخول فيها والخروج منها، ونلاحظ أن ركوب الحصان من خصائص الوجهاء والأعيان، يضاف إلى ذلك لقب البيك، الذي كان يطلق على أصحاب الطبقة المخملية في المجتمع، كما يثبت انتماؤهم إلى طبقة المتنفذين وأصحاب السلطة من الأتراك في ذلك الوقت.
ومن الشخصيات التي صورها لنا بعمق ودقة، شخصية المعتوهين، وهم المصابون بأمراض نفسية أو عصبية، ويذرعون الشوارعبلا قيد أو هدف، ومنهم من يكونوا من أصحاب العاهات، وهؤلاء كان وجودهم ظاهرا في كثير من المجتمعات الإسلامية، وما زال لبعضهم بقية في بعض المدن العربية، ويدعون الولاية أو الصلاح، والحقيقة أن ثقافة المجتمع السائدة في ذلك الوقت، هي النظر إلى هذه الفئة نظرة فيها كثير من الإشفاق إضافة إلى التعامل معهم على أنهم من أصحاب القلوب حسب الوصف المتداول عنهم، فهم من المرفوع عنهم القلم، كما أنهم يعبدون الله على الفطرة، ومن هنا انبثقت نظرة العطف عليهم إضافة إلى كثير من الحذر منهم، فهم قريبون من الله – كما يقال – فلا يجب إيذاؤهم، حتى إنهم كانوا يطلقون عليهم المباركين أو أصحاب اللطف، وبذلك سماهم المؤلف في الرواية حيث يقول «وبالرغم من بعض الحوادث التي كانت تقع من وقت لآخر نتيجة لتصرف هذا أو ذاك من المباركين، إلا أن علاقتهم بالحي وأهله كانت علاقة ودية إلى حد كبير» كما يقول في ذات السياق «وقد كان من مشاهير الحي آنذاك معتوه جمع له لطفان، فهو معتوه وأعمى في الوقت نفسه، وقد كان يعرف في الحي باسم القذيفة، وسبب هذه التسمية أنه كان يسير بسرعة فائقة بالرغم من عماه وعصاه تتقدمه، بحيث يصطدم بكل شيء في طريقه بالناس وبالبهائم، وعلى الأخص بالباعة الذين كانوا يعرضون بضائعهم في صف طويل وسط برحة الطفران، حتى إذا اصطدم بشيء أو بإنسان صاح بأعلى صوته: ما هذا؟ هل أنت أعمى، كان يقول ذلك للأشياء وللناس والبهائم على حد سواء، ثم يتابع سيره منحرفا يمينا أو شمالا وفقا لاتجاه الصدمة التي حدثت له» مع ملاحظة أن مصطلح اللطف في العامية المكية القديمة يعني المرض عموما، فلا يقال فلان مريض بل يقال فلان أصابه لطف إذا مرض، فليس بالضرورة أن يكون صاحب اللطف معتوها.


 [email protected]

 

ملامح مكة التاريخية من خلال رواية سقيفة الصفا (1 - 10)

أسرار البيت المكي ومكوناته لدى بوقري (2- 10)

 الرواشين من جماليات العمارة المكية ( 3 - 10 )

المطبقية وماكينة الآيس كريم من المقتنيات المكية ( 4 - 10 )

نصبة الشاي ضيافة السيدة المكية ( 5 - 10 )

كوفية جملون والسديري.. اللباس المكي قديما ( 6 - 10 )

المدورة والمحرمة لباس المكيات قديما ( 7 - 10 )

المزهد من شخصيات الشارع المكي ( 8 - 10 )

الشطار والرقيق في الحارة المكية قديما ( 9 - 10 )

الفرمسوني.. المثقف الذي يخافه المجتمع المكي ( 10 - 10 )