في مطلع العام الهجري الجديد من كل عام، بل وما قبله بأيام نتلقى الكثير من رسائل التهاني في مواقع التواصل الاجتماعي كافة.. والتفاؤل بأن يكون عام خير وبركة.. في نفس الوقت الذي نتلقى رسائل تحذيرية بعدم جواز إرسال التهاني وأنها (بدعة)!
وما بين الفرح بالمناسبة وكف النفس عن التعبير عنها تبرز إشكالية مدى وعينا بالمناسبة وإرهاصاتها الإنسانية والتاريخية.. فهي ليست مجرد احتفائية تقليدية كما في رأس السنة الميلادية - والتي يرافقها الكثير من مظاهر الاحتفالات والطقوس والهدايا.. وغيرها - بل هي مناسبة نهنئ فيها أنفسنا بهذا الدين العظيم الذي جاء قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان لبداية إنقاذ المجتمع من ضلالات الشرك والانحرافات المفضية لجحيم الدنيا والآخرة.. ليحل محلها القيمة المستحقة للإنسان بأصل وجوده وأهدافه في الحياة، وهي بعيدة كل البعد عن الأهداف الوضعية التي تقوم على أساس المصالح العمياء والانغماس في الملذات.
فالهجرة النبوية حققت للإنسانية مسيرة الرشاد؛ وهي انطلاقة الحق في مواجهة الباطل.. ولم تكن قط أمراً عفوياً ارتجالياً أو هروباً من مواقف.. بل أمرا إلهيا لتحقيق مشيئة الله.. فاختار اللهُ له يثرب لتكون حاضنة الدعوة الإسلامية.. لتحقيق النصر للدعوة بوجود العضد والسند القوي، حيث أسلم بعض أهل يثرب وعند قدومهم للحج عاهدوه على مناصرته.. وبها (بنو النجار) أخوال جده.
ثم بدأ عليه الصلاة والسلام خطته الاستراتيجية في الإعداد للرحلة واختيار الرفيق والدليل والزاد والراحلة. لتبدأ الرحلة التي هي تحرير الإسلام من براثن الكفر وعبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الله الواحد القهار.
إنه الإيمان بالله والتوكل عليه فما أروعها من لحظات.. فصاحبه يشعر بالحزن والأسى من ملاحقة الكفار لهما وهما في غار ثور فيهدئ من روعه بقوله: «لا تحزن إن الله معنا...» الله أكبر.. فمالك باثنين الله ثالثهما
وقد سارت الرحلة بسرية تامة، فينام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراشه لإيهام الكفار بوجوده.. نعم إنه أول فدائي في الإسلام يفتدي الرسول بنفسه، فماذا لو قتل وهو يلتف بذاك الغطاء؟... وها هي أسماء بنت أبي بكر الصديق تحمل الزاد لعدة أميال تتحدى جبال الخوف وقمم الصعاب تشق إزارها لتصنع بإحداهما مكانا للماء وآخر للطعام.. إنها (ذات النطاقين) أول فدائية في الإسلام... لقد كانت الرحلة دروساً وعبرا يُعلَّم فيها عليه الصلاة والسلام أمته الاستعانة بالله وبقضاء الحوائج بالكتمان.
ومع حبه الشديد لمكة لكنه أُخرج منها وهو يردد: « والله إنك لأحب البقاع إلى نفسي ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت منك.. ويدعو الله: « اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي، فأسكني في أحب البقاع إليك» فاختار الله له المدينة المنورة لتكون حاضنة للنصر ومهدا لتنظيم الدولة والدعوة الإسلامية.
وما أحوجنا أن نأخذ العبر من هذه الهجرة النبوية في مواجهة جحافل الباطل وترسانة الاحتلال في مواجهتنا مع أعدائنا: فالإيمان بالله عز وجل والتوكل عليه والأخذ بأسباب النصر والعزة هي وقود انطلاقة الحق.. وها هم أبطال غزة والقطاع وأطفالها يلقون الرعب في قلوب جنود الاحتلال الإسرائيلي المدججين بالسلاح والعتاد بحجارتهم وبسكاكينهم.. ويقدمون أنفسهم فداء لنصرة المقدسات الإسلامية.. وكم من نساء فلسطين من قدمن أنفسهن فداء لهذه الأرض المباركة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.. وهي مواقف لا تقل أهمية عن وقوف أسماء بنت أبي بكر وأم عمارة وغيرهما من النساء المسلمات مع الدعوة الإسلامية.
أظن أنه لا بد أن تستغل هذه المناسبة التاريخية كل عام ليس فقط بتذكر النشء والوعي المجتمعي بعظمة الهجرة النبوية في إرساء قواعد الدولة المدنية القوية بل بتذكير الأمة الإسلامية جميعها بأهمية معاضدة قضيتنا الأولى التي نسيناها في خضم البحر المتلاطم من الأحداث وهي: ( قضية فلسطين) ودعمها مادياً ومالياً ولوجستياً وسياسياً.. وأن نفتح كل الأبواب الموصدة لهذا الدعم؛ ففيها المسجد الأقصى الذي تشد الرحال إليه، وهو قبلة المسلمين الأولى، ومسرى نبينا عليه الصلاة والسلام إلى السماء.
فكل عام وأنتم بخير في عامنا الهجري الجديد.. وكل عام والأمة الإسلامية بخير ونصر وعز وتمكين من عند الله.