أن نعيش عمرا من العطاء التحدي البحث الاطلاع التواصل المثمر الناضج مع الناس، نستيقظ كل فجر وندعو الله أن يسخرنا لتوصيل الرسالة عبر المنبر الذي وهبنا إياه فندعم من اجتهد وأنجز بوضعه تحت بقعة ضوء ليراه الناس فيها فيعينهم ويعينونه على المنفعة المتبادلة والرزق الطيب.
أو نعتمر خوذة المنقب عن المواهب التي تستحق أن تبرز في موقف المواجهة مع الناس لأن الله حباها شيئا من العلم والفهم، فيحصل تلقيح الأفكار وتبادل الرؤى والاستثمار فيما ينفع البلاد والعباد.
أو نجتهد في مطالعة أخبار العالم وآخر الإنجازات والابتكارات والدراسات والمعارف والإيجابيات، لنكون النفق الذي تعبر من خلاله هذه العلوم إلى الناس، لعلها تصيب قلبا خصبا فتنبت فيه نباتا حسنا.. والبوابة التي تمنح تأشيرة دخول لكل صالح نافع يساهم في عمارة الأرض ونهضة الوطن وصلاح الفرد في زمن كثر فيه غسل الأدمغة واستئجار العقول اليافعة لخدمة الفاسقين والتغرير بهم، نحتاج أن نعيد تعريف وظيفتنا كل يوم والتي أصبحت مهنة من لا مهنة له (الإعلامي) لنراجع الهدف ونعزز القيمة ونجدد النية، ونزيل ما علق بها من شوائب الرياء والنفاق والعجب والإطراء، وهنا نقف على أعتاب المعضلة الكبرى والتحدي الأصعب لمن اختار طريق الإعلام، أن تبقى قدماه راسختين على الأرض وعقله هو الذي يجول أرجاء الكون باحثا عن العلم الفائدة المادة الممتعة التي يبثها لمتابعيه ليحقق بها معادلة موزونة فتغذي أرواحهم بما يعينهم ويسعدهم ويروي ظمأهم وينمي مواهبهم وينير طريقهم.
وكيف لقدميه أن تثبتا وأن لا يزوره وحش «الغرور» ويستوطن في كيانه وينقض على آخر بذرة للنفع في نفسه، وقد رفعه متابعوه ومحبوه فوق عنان السحاب، ووضعوه وسط هالة من الإعجاب المبالغ فيه فتم احتجازه وحكم عليه بالسجن داخل فقاعة من الصابون التي تكبر كلما زادت أرقام البشر المتتبعين لخطواته دقها وجلها، وتهافت عليه المعلنون بعروضهم المغرية ليكون بوابتهم للوصول للألوف والمئات ممن يحتاجونهم ليسوقوا لهم خدمة أو يبيعوهم منتجا.
أصبح تقييمه رفيع المستوى عالي الشأن كبير القيمة بحجم عدد متابعيه في مواقع التواصل الاجتماعية.. ودخل في دائرة الشهرة التي تسلب الإنسان عقله، وتصيبه بحزمة من أمراض القلوب فيظن أنه وصل وتربع في أعالي القمة وأنه قد فتحت له خزائن الأرض والسماء .. أصبح مرحبا به في كل مكان، يتهافت الناس على التقاط سيلفي بجانبه، أو الحديث معه عن قرب ولو بكلمة يخصهم بها على عجل!
هذه هي تفاصيل قصة وصول الفيروس الذي أصاب الساحة الإعلامية فأفسد مهمتها وضيع قيمتها وأصبح لدى الجيل الجديد هوس اسمه شهرة وظهور ومتابعون بأسهل الطرق وأكثرها شيوعا.. ضاع الجوهر ولم يبق سوى مظهر!
أصبح من يطرق هذا الباب عوضا عن أن يهتم بثقافته ومهنيته ورسالته التي يود أن يوصلها من المنبر، يلهث وراء زيادة عدد المتابعين بخفة دمه، وجمال مظهره، وأحيانا تندره على الناس والتفنن في تقليدهم ونصب المقالب لهم، أو تناول المواضيع السطحية التي لا تسمن ولا تغني من جوع أو نشر يومياته التي لا تضيف سوى فاتورة استحقاق أعلى للانترنت لدى الشخص المتابع له، بحجة أن الناس تحتاج للضحك والترويح عن أنفسهم بعد تعب الدراسة ومطبات الشوارع واستبداد المدير، وغلاء الأسعار!، وزيادة العطالة والبطالة، وارتفاع نسب الطلاق، ومهور الزواج..
هذا النوع من الإعلاميين يحتاج لكثير من الشفقة لأنه وقع ضحية جشع المعلنين المنساقين خلف الكم لا الكيف ووراء الكمية لا النوعية، وعدم نضج بعض المتابعين من أصحاب بعض القلوب الطيبة والفراغ الكبير وعدم الوضوح في صورة القدوة والانجراف مع الموجة. كل شخص مبدع من واجب المجتمع أن يصفق له باعتدال، ويدعم إنجازه بإنصاف يسمعه كلمة شكر تعينه على مزيد من الاجتهاد ودعوة صادقة أن يفتح المولى عليه من أبواب الخير ويرزقه الحكمة التي ينفع بها الناس.. لكن المبالغة ما خالطت شيئا إلا أفسدته! كالملح إذا زاد في الطعام «سممه».
والإنسان على نفسه بصير، من وجد أنه استحلى التصفيق على النقد البناء، وأصم أذنه عن كل نصيحة وظن أنه وصل وتربع ولم يعد بحاجة لعكاز التوجيه أو عصا المربي فقد انحاز عن الطريق! ومن انشغل عن طريق التطوير بطريق التصوير في كل محفل وعلى كل منبر بروزت المجلات صورته، وعجت وسائل التواصل بسيرته، فليعلم أن نهايته أسرع من فلاشات الأضواء التي أحرقت موهبته.. ولن يبقى في ذاكرة الناس سوى رائحة عطره!