تلتزم معظم الدول العربية الصمت حيال التدخل الروسي في سوريا، والذي دخل فصلا جديدا بدعمه الجوي للعملية البرية التي يقوم بها نظام الأسد في حماة وسط سوريا.
لكن ومع هذا الصمت يتضح لنا أن هناك انقساما عربيا يمكن أن نحدده بوجود معسكرين على الساحة العربية.
معسكر تقوده مصر ومعها دول عربية أخرى ترحب بالتدخل العسكري الروسي باعتباره جزءا من الحرب على التنظيمات الإسلامية المتطرفة الإرهابية.
في المقابل هناك معسكر آخر يرفض التدخل الروسي وهو يضم السعودية وقطر، ولا أعتقد أننا نستطيع إضافة دولة عربية ثالثه لهما حتى هذه اللحظة.
لا شك أن التباين بين الدول العربية حيال الأزمة السورية كان موجودا منذ البداية وانعكس في إبقاء عدد من الدول لسفرائها في دمشق، فيما سحب آخرون ممثليهم، كما رفضت بعض الدول حصول الائتلاف المعارض على مقعد سوريا في الجامعة العربية.
لكن وبدخول روسيا على مسرح الأحداث مباشرة، تكرس هذا التباين في المواقف العربية، حيال الأزمة التي جاوزت السنوات الأربع، مخلفة أكثر من ربع مليون ضحية من المدنيين.
البيان الذي وقعته السعودية وقطر مع مجموعة الدول الغربية كان واضحا، ضد العداون الروسي، وطالبتا يإيقافه على الفور.
فيما اتخذت مصر مسارا مغايرا حينما أعلنت صراحة أنها تؤيد العمليات الروسية في سوريا عبر وزير خارجيتها سامح شكري، الذي ذكر ضمنيا دعم بلاده للتدخل الروسي بعد ساعات من إجراء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اتصالا هاتفيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، هو الثاني منذ بدء العملية العسكرية الروسية في سوريا.
أيضا على خطى السياسة المصرية نرصد مواقف عدد من الدول الأخرى "الصامتة" وعلى رأسها الجزائر التي في حقيقة الأمر تبارك هذا التدخل لأنها منذ البداية لم تكن تتبنى خلف الكواليس إسقاط الأسد، وهي تتماهى والرؤية الروسية القائلة بأن جميع من يقاتل النظام هم "إرهابيون".
وبمقدار ما تتطور وتتنوع الأهداف الروسية العسكرية في سوريا، سوف تتطور المواقف العربية وتتباين حيالها، وقد تذهب إلى اتجاهات لا يحمد عقباها.
قد يكون السؤال المهم ماذا بقي للدول الداعمة للثورة السورية والمعارضة المناهضة لنظام بشار أن تقدمه من حلول، في ظل موقف عربي آخر مؤيد إما معلن أو سري تجاه التدخل الروسي؟
ما بيد السوريين وبيد الدول الداعمة من السعودية وقطر وتركيا، هو زيادة الدعم والإيمان بالشعب السوري وخياراته، وعدم التخلي عن إزاحة الأسد من السلطة.
بالطبع يجب أن نفهم بأن عمق الأزمة السورية لم يعد شعبا يواجه نظاما قاتلا مستبدا، إنما أصبحت صدام مشاريع كبرى في المنطقة.
لذلك الدول التي لديها هذه الرؤية في دعم الثورة السورية منذ البداية، تفطنت إلى أن المشروع الإيراني ومعه المشروع الروسي الآن، هو نقيض المشروع العربي المشترك، ونقيض التآلف والتآخي العربي الذي يمكن أن يؤدي بنا إلى مشهد جديد وآمن لمستقبل المنطقة.
مجموعة من المراقبين بدؤوا يرون أن عداء النظام المصري للإسلام السياسي بالعموم، أصبح هو البوصلة التي تحدد من خلالها مصر علاقاتها مع الجميع بدون استثناء حتى مع الدول التي دعمتها في أزماتها السابقة.
هناك مصالح استراتيجية عليا لمصر يتم غض الطرف عنها في مقابل ضرب جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، مصر مع أي قوة تقوم بضرب هذه الجماعات.
وهنا قد يكون خطأ "استراتيجي" خطير عندما ترسم السياسات وفق الضغائن والأحقاد، وهذا قد يكلف الكثير لاحقا.
اليوم نحن في لحظة تاريخية؛ نتحدث عن وجود دولة عظمى على الأرض في دولة عربية، ونشاهد غزوا إيرانيا سافرا، لذلك لا يجب على الدول العربية النزول إلى الضغائن وما شابه ذلك.
الأزمة السورية هي فرصة لبعض الدول لكي تعود إلى وزنها السياسي الحقيقي، للعمل لصالح التوافق العربي.
alfarhan.
i@makkahnp.
com
الرياض والقاهرة وأزمة الخلاف!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
