أيام مرحلة المراهقة والشباب لم نكن نستمع سوى لفنانين شعبيين، غالبنا كان يحفظ أغنيات بشير شنان وفهد بن سعيد وحمد الطيار، تربيتنا الغنائية بغض النظر عن تقييمنا الفني لهذه المرحلة كانت منشغلة بنمط من الأغنيات، يغلب عليه الطابع الشعبي، لم تكن تستهوينا الموسيقى وقتها، كانت الآلات البسيطة التي تصاحب أغنيات هذا الجيل من الفنانين هي ذوقنا الرفيع ومحل تفاخرنا في ضربات العود والإيقاعات وتشكيلاتها..
إحدى السيدات الكبيرات في العائلة كانت تعلق صور محمد عبده في غرفتها، معظم العائلات كانت محافظة في الرياض لكنها لا تستنكر صور الفنانين ولا أغنياتهم في آلات الاستماع المختلفة.
كانت صورة سلامة العبدالله معلقة في بيتنا وكان الاستريو الوحيد الذي نحصل منه على أحدث الأغنيات للمفضلين لدينا يقع بالقرب من سوق عتيّقة، وهو ممر سيارات نقل الخضار في طريقها إلى مناطق الفلاحين في نجد.
إلى قبل عشر سنوات كانت ذاكرة الرياض الفنية موجودة في دكان صغير لا يتجاوز المترين في حلة الأحرار عند «أبوشهيّب». كل سؤال عن أي أغنية قديمة ستجد إجابته لدى أبوشهيّب، ينسخ لك ما تريد في ربع ساعة، هكذا كان يوقّت لنا زمن انتهاء مهمته، وإن كان المطلوب «شريطين» أو ثلاثة زاد الوقت..
لم نكن نحن كجيل «التسعينات الهجرية» الذي تشكل وعيه الغنائي على هذه الأغنيات، لم نكن من هواة أم كلثوم أو فريد الأطرش، كان هذا الجيل قبلنا بكثير، جيل «الروادو» والإذاعات العربية والمصرية تحديدا جيل 57 ـ 63 و ...67، الجيل السياسي بامتياز.
ما أزال أذكر أن جدتي لأمي تتندّر على فيروز ونطقها لكلمة «الشتاء» في أغنيتها «حبيتك بالصيف حبيتك بالشتاء» تتندر على كسر آخر الكلمة وإضافة الياء لها بدل الألف والهمزة.
ستجد لدينا في ذلك الوقت تسجيلات نادرة لفناني الرياض، وسنحضر حفلاتهم الغنائية في أندية العاصمة، وسنرددها ونكتبها على الجدران.
لم يحتفظ الجيل الذي بعدنا بأي شيء من ذلك، برز فنانون آخرون بعدها واختفوا، مات معظم من عاصرنا شبابهم الغنائي، تركوا لنا نحن أبناء ذلك الجيل هذه الذاكرة. بالرغم من أن أبي يحكي لي قصصا عن فنانين من جدة والطائف حين يزورون الرياض، إلا أن ميلنا كان يغلب عليه طابع الإيقاع الشعبي لأسباب مختلفة.
اختفت هذه المرحلة تماما ولم تعد موجودة سوى بالذاكرة فقط، والمحظوظ من يفكر باستعادتها في لحظة من اللحظات ثم ينساها، أما صانعوها فانتهى ذكرهم إلا في ذاكرتنا فقط.
لا أعرف تاريخ بداياتهم مع أنه بالإمكان استرجاعه مع ثورة المعلومات الهائلة بسهولة، ربما سبق بعضهم طلال ومحمد عبده وطارق عبدالحكيم مثلا، لكنهم لم يتجاوزوا «جلسات» الطرب والحفلات الشعبية.
لم تقدم لهم الرياض ما قدمته جدة أو الحجاز لغيرهم، واختفى مثلما اختفوا من نجد فنانون من الشمال والجنوب، الشرقية كان نصيبها محصورا في الأحسائيين عيسى وطاهر وقاسمهما الشهرة شاعرهما علي القحطاني الذي أسس استوديو الوادي الأخضر بعشق كبير للفن واستغلال الكويت كعاصمة فنية وقتها.
استمرت العائلات التي كانت تستمع للأغنيات بالحفاظ على ذاكرتها، وانمحت ذاكرة عائلات أخرى بسبب موجة التشدد التي انفجرت بعد عام 1400هـ.
نسينا بعض الأسماء، لكن سؤالا ظل يشغلنا، لماذا لم تنصف الحركة الفنية في نجد والشمال والشرق فنانيها مثلما فعلت جدة؟
كان رأس المال الذي لم نفهمه وقتها مؤثرا، صنع مجدا سواء كان مستحقا أم لا، لبعض الأصوات الغنائية، وغيّب الروح الكبيرة للجزيرة العربية وغناها.
تحول بعدها إلى تجارة هائلة ومنتجة لأسوأ نماذج يمكن سماعها في السعودية والخليج والعالم العربي.
اختفت أصوات البسطاء الذين كان من الممكن أن يصبحوا تاريخا مهما لو ساعدتهم الظروف، اختفوا بسبب، وولد غيرهم بسبب، الذين اختفوا سيبقون في الذاكرة، ذاكرة كل جيل على حدة، لكن الذين ولدوا بسبب.. لن يجدوا لهم ذاكرة تحبهم وتنصفهم مثلما لن يجدوا تاريخا يجعل الأجيال القادمة تشعر بالامتنان لهم ولما تركوه.
ستريو «أبو شهيّب» وذاكرة نجد الغنائية
عادل حوشان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
