رحت أقلب في مقالاتي السابقة في بحث عن موضوع معين بغرض إرساله لأحدهم، ليظهر أمامي عدد من المواضيع التي كتبتها سابقا، بداية من (سوريون لديهم ألف عنوان) و(السيف والجافا) الذي تحدثت فيه عن غزة حين كانت القنابل تسقط عليها، مرورا بـ (قصاقيص الطالبات) الذي اشتكت فيه طالبات جامعيات من الأموال المهدرة التي تصرف على مشاريع مصيرها القمامة، و(دراما اسمها بلاعة) عن سقوط مواطن وابنه في فتحة الصرف الصحي، وانتهاء بـ (سبتمبر المبصر) عن حادثة رافعة الحرم، و(عون أم فرعون) عن حادثة تدافع منى، وآخر (السياحة في الترحيل) عن تظلم مجموعة من الشباب السعوديين في القطاع السياحي.
وهنا وجدت نفسي في وقفة مصارحة مع الذات، أواجه فيها واقعا أن معظمنا يندفع نحو الأحداث والملمات ويتفاعل معها كما النمل إذا ما لمح فتات الخبز، بفارق أن النمل أكثر تنظيما وتخطيطا.
فحين كلمني الشباب والطالبات، المتظلمون شمرت الأكمام، وبريت قريحتي، استشعارا بمسؤوليتي في مساعدتهم لإحقاق الحق وإصلاح الوضع.
وحين كانت الأخبار تغرقنا بصور غزة وسوريا، شمرنا الأكمام ورفعنا الحناجر اعتراضا ودفاعا وتبرعات.
وحين سقطت الرافعة وحدث تدافع منى وانتشرت الأخبار في مواقع التواصل كالنار في الهشيم، شمرنا الأكمام، ورفعنا الحناجر اتهامات، ودفاعات، وتكهنات، وغيرها الكثير من الأحداث التي نتفاعل معها ونحتشد حولها كما يحتشد الناس لمشاهدة القصاص، فإذا ما سقط الرأس، أو انقطعت اليد، انفض كل إلى حياته، فلم يعد هناك شيء يستحق المشاهدة.
انظر إلى حياتك وفكر، كم من الأشياء تحمست لها، وتفاعلت معها في بدايتها، أو حين سُلط عليها الاهتمام من الناس والإعلام، فإذا ما خفت الوهج مع الوقت، أو ظهر شيء جديد، كان بالنسبة لك كأن لم يكن.
فكم شخص ما زال يتابع ملف سيول جدة، وهل تم تعويض كل المتضررين؟ وكم شخص ما زال يرسل التبرعات إلى غزة وسوريا، ويتابع أخبارهم ويتحرى احتياجاتهم؟ وكم شخص ما زال يسأل عن نتائج التحقيقات في موضوع الرافعة، وموضوع تدافع منى، ليعرف إن كان على حق حين دافع أو هاجم بعلو صوته، أو فكر أن يسأل عن ملف المفقودين، لتستخلص أننا نمارس التناقض في أزهى صوره حين نجرؤ أن نشتكي من انتشار الفساد، وتباطؤ الإصلاح، وعدم إتمام المشاريع.
ونحن ما زلنا نسمح لاندفاعاتنا أن تتقافز بنا من حدث لآخر كما النرد على لوح اللعب، وعليه فإنني أدعو نفسي قبل أي أحد آخر للتروي في البدء، والتحري حين الكلام في شأن، لأنه لا حق سيظهر، ولا خلل سيقوم، ولا إنجاز سيتمم، حتى يطغى اهتمامنا بالأثر، على تركيزنا على الحدث، ولأن تحفر بئرا واحدة، خير من حفر مئة قبر.