تأخذ مساحة الوهم من حياة كثير من الناس حيزا كبيرا مؤثرا وذلك في كل جوانبها، فترى بعضهم يعيش بين حقائق الواقع من جهة وبين سيوف الوهم التي أدخل رأسه تحتها، فلا تنفك تذهب به يمينا ويسارا دون حقيقة أو برهان، ثم تتحول مع طول الوقت واستمراء الحال إلى إحدى مكونات القرار لديه وإلى عامل مهم في تكوين موقفه ورؤيته للأشياء من حوله، وخصوصا تلك المتعلقة بالأشخاص المصاحبين له في مسيرة الحياة
وإذا استعرضت حياة كثيرين من حولك فستجد أن نفسية الشك بدون برهان أو دليل حاضرة بقوة لديه وترى آثارها ظاهرة فكم أدت إلى تفرق وشتات أسرة، وكم أدت إلى انصرام مودة وأخوة طويلة، وكم أفضت إلى قطيعة رحم قريبة، وكم قادت إلى وقوع جريمة بل إلى إزهاق أنفس في حالات متقدمة بسبب أوهام ليس لها من برهان ولا حقيقة
وإذا اتجهت إلى الداخل الإنساني فسترى مقدار ما أدى إليه توهم المرض على سبيل المثال من هم وكدر عيش، وكم أدى الوهم إلى اعتقاد لزوم النحس والشؤم واليأس من النجاح، وكم أدى الوهم إلى تجرع الاكتئاب والقلق وأنواع المصائب النفسية، بل كم قاد إلى ذهاب القوة ونحول الجسد وشيب الرأس مما تغدو الحياة معه قطعة من عذاب ليس فيها إلا الخوف والتربص وانتظار المصائب وتوقع البلايا
وتكبر مشكلة الوهم وتزداد خطورة كلما اتصلت بالقضايا الكبرى كقضية الإيمان والإسلام وحقائق الوجود ويقينيات الغيب، وإذا نظرت إلى ضلال الكفار وردهم للحق الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم فستجد أنه بني على الأوهام والظنون المجردة الخالية من البرهان والدليل «إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين»، «إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس»، بخلاف لغة القرآن التي أقامت الحجج وجاءت بالبراهين وطالبت المخالفين بها ودعت المجادل إلى البرهان والحقيقة «قل هاتوا برهانكم» وإذا تأملت أمر غلبة الوهم على بعض الناس وأسبابه وجدت أنه جاء غالبا من قناعات اعتادها المتوهم حتى غدت عنده من المسلمات كإساءة الظن بكل شيء وتقديم سوء الظن هذا على كل اعتبار وكتجاوز ظاهر الأشياء وحمل الأمور على أمور خفية بلا دليل، واستصحاب التجارب السيئة وتعميمها، واعتقاد الإنسان في نفسه التفرد والكمال والأهمية التي تجعله محلا للعداوة والحسد، ومن ذلك أيضا مصاحبة أهل الشك والتوهم بصفتهم هذه مما يعدي ويسري في من حولهم، ويا لها من حياة بائسة تلك التي تبنى على الأوهام، ويالها من إدارة مدمرة تلك التي تقوم على الشك والظن، ويالها من أسرة تعيسة تلك التي يبتلى بعض أطرافها بهذه الصفة، ويا له من مجتمع مهلهل متنافر ذلك الذي تنشأ فيه الخصومات والنزاعات والتصنيفات وتزيد تبعا لأوهام فارغة
الواهمون
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
