أحبائي القراء عدت إليكم بعد انقطاع طويل تضمن إجازة صيفية، وأخرى مرضية وثالثة متعلقة بانشغالي بأعمال الحج..
لذلك عدت إليكم مشتاقا ومحملا بذخيرة من الأفكار والآراء التي سأبسطها في أكثر من مقال حول رحلتي إلى تركيا وتجربتي مع المرض ثم ما امتلأت به جعبتي حول أعمال الحج..
ولعلي أبدأ بأهمها وهو ما يتعلق بأعمال الحج وما نقدمه كجهات أهلية وتقدمه الجهات الحكومية من خدمات لضيوف الرحمن..
وسأخصص هذا المقال لتوصيف واقع منى وما فرضه بديل الخيام على هذا الواقع وآثاره على الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وتسليمنا بمرور الوقت بهذا الواقع..
كنت قد كتبت مقالا قبل ثمانية عشر عاما قلت فيه منبها ومحذرا من تبعات اعتماد بديل الخيام كبديل وحيد للإسكان في منى ـ قلت فيه - إن: «الخيام كبديل إسكان يظل بديلا قاصرا ولا يمكنه مواكبة الزيادة المطردة في أعداد الحجاج عاما بعد عام ، لأن الخيام غير قابلة لتعدد الأدوار، وهذا يجعل مساحة الإسكان -والمحدودة بمساحة منى شرعا- ثابتة في حين أن عدد السكان في تزايد مستمر، وهذه الزيادة في أعداد السكان وثبات مساحات الإسكان، ستعزز استمرار أم المشاكل - الافتراش - واستشراءها، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن المساحة المخصصة للحاج مع مرور الزمن هي أيضا في تزايد».
وفي نظري أن بديل الخيام فرض علينا جملة من المحددات التي لها آثار مباشرة على كل ما يقدم من خدمات في المشعر، وأفضت إلى كل ما تم التنبيه إليه والتحذير منه.. أذكر منها:
الضيق النسبي في المساحة المخصصة للحاج (1.6م مربع) مقارنة بالمخصص في مكة والمدينة وعرفات.
نقص في أعداد دورات المياه مقارنة بأعداد الحجاج.
نقص في مساحات المطابخ.
ضيق في الممرات ومخارج الطوارئ.
نقص - ولا أقول ضيق- الطرقات.
نقص المساحات المخصصة لأماكن بيع الطعام والشراب، والنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول (أيام منى أيام أكل وشرب) أو كما قال عليه السلام، وواقع منى لا يساعد على تحقيق ذلك.. وكذلك نقص في المساحات المخصصة لمحلات بيع الدواء والملابس وغيرها من احتياجات الناس..
وهذا الواقع ينعكس مباشرة على الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن ومستوى جودتها..
فخدمة السكن في المخيمات تأثرت من جهة اكتظاظ المخيمات بالسكان، إذ بمرور الوقت تقلصت المساحة المخصصة للحاج من 1.6 متر مربع عند بدء المشروع إلى ما يقارب نصفها، وتفاقمت مشكلات طول صفوف الانتظار أمام دورات المياه ليمتد الانتظار لعدة ساعات قبل يتمكن الإنسان من قضاء حاجته، وضعف خدمات الطبخ والإطعام داخل المخيمات ونقص المداخل وضيق ممرات الحركة..
وأدى نقص الطرقات نسبة لعدد سكان المشعر واحتياجاتهم الإنسانية إلى غياب شبه كامل لخدمة النقل العام داخل مشعر منى. وأضعف جميع الخدمات بما فيها خدمات الإسعاف وخدمات النظافة وخدمات التغذية وخدمات نقل المواد التموينية للمخيمات والمطاعم..
ونقص الطرق فرض واقع إغلاق المنطقة المركزية لمشعر منى أمام حركة المركبات والنقل العام من خلال خطط مرورية تنحو إلى منع حركة المرور أكثر من تسييلها، وبالتالي أصبح لدينا إعاقة مقننة وشاملة لجميع الخدمات، النقل، والنظافة، والإسعاف، والدفاع المدني.. وهذا المنع بالمناسبة هو مما يحفز على الافتراش باعتباره أسهل البدائل للحاج لأداء نسك الرجم والمبيت..
بقي القول: إن كل تبعات واقع منى تنعكس مباشرة على المطوفين.. فالمطوف هو المسؤول أمام الحاج عن كل ما يتعلق به وباحتياجاته، وهو أيضا المرجع لكل الجهات الرسمية في حل أي إشكالات أو سد أي نقص..
وللحديث بقية..