ودعنا قبل عدة أيام عاما هجريا مضى كلمح البصر، وها هي الأعوام تتجدد عاما بعد عام، وإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظرة بعيدة، ثم تمر به الأيام سراعا فينصرم العام سريعا فإذا هو في آخر العام، وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخرة فإذا به قد دنا منه الأجل قال تعالى (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَق ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ).
واليوم وقد استقبلنا عاما جديدا لا يدري المرء ما هو صانع فيه وما كتب له من قدر في أيامه ولياليه، وهل يستكمله أو يرحل عن هذه الدنيا الفانية، ولذلك فما أشد الحاجة إلى وقفة محاسبة لكل إنسان مع نفسه، فإن بانقضاء العام ينقضي جزء من عمره، وما من يوم تشرق شمسه إلا وينادي مناد يا ابن أدم إني خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم منى فإني لا أعود، فهل منا من عرف ذلك وأيقن وودع عامه بالابتهال إلى المولى جلت قدرته أن يجعله شاهدا له وسأل خالقه التوفيق للعمل الصالح.
والاستعداد لمواجهة العام الجديد بتوبة صادقة وبنية صالحة وتسابق في ميادين الخير، وعلينا جميعا أن نتدبر ونتأمل في سورة العصر قال تعالى (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، وربنا عز وجل شأنه عظيم ولا يقسم إلا بما عظم من مخلوقاته، أقسم أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بهذه الأوصاف: الإيمان، العمل الصالح، التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله لو ما أنزل الله على عباده إلا هذه السورة لكفتهم، فهي ميزان للأعمال يزن بها المسلم نفسه فيتبين له الربح من الخسارة، وقال بعضهم: كان السلف يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس.
ويقصد بذلك أنهم لا يرضون كل يوم إلا بالزيادة من عمل الخير، ولهذا كان دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام (اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر)، وهذه الحياة هي متاع غرور كما أخبر بذلك المولى جلت قدرته، وكم فقدنا في عامنا المنصرم وما سبقه من أعوام من أهل وأحباب وأصحاب وأعزة كانوا ينعمون بطيب العيش ولذة الحياة، وكانت آمالهم وأحلامهم وطموحاتهم كبيرة في حين كان الموت أقرب إليهم من حبل الوريد فباغتهم الأجل وطويت صحائف أعمالهم، ونحن لاحقون بهم إن عاجلا أو آجلا، فالمرء بين الليل والنهار، يقرضان من أجله ويقربانه إلى آخرته ويؤخرانه عن دنياه يوقظان النائم وينبهان الغافل، ويا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه فإنما تفرح بنقص عمرك.
كما أن المتأمل في أحوال السنين والأعوام التي مضت ليجد فيها أحوالا مؤلمة لأوضاع المسلمين في كثير من أرجاء المعمورة، من حروب وصراعات وقتل وتدمير وتفجير وتشريد واغتصاب، وقد تكالب أعداء الأمة الإسلامية على المسلمين جميعا، وها هي أرض المحشر وهي أرض الشام تشهد صراعا أمميا أخشى ما أخشاه أن يكون بداية لحرب عالمية ثالثة، وقد بدأت مقدماتها بهذه الحشود العسكرية من كل مكان كانوا سببا في تدميرها وتشريد أهلها وتشتتهم في كل حدب وصوب.
وتنافست وسائل الإعلام في نشر مآسيهم وآلامهم بسبب فقدهم لوطنهم وقتل أولادهم وضياع ممتلكاتهم ومحاولتهم البحث عن مكان آمن يلجؤون إليه، ولم يجدوا سوى العنف والطرد والإبعاد عن دول وبلدان تدعي أنها حامية لحقوق الإنسان ومقر للجانه وهيئاته، وكذلك الأمر بالنسبة لأول قبلة للمسلمين وهي القدس، وما تشهده من اقتراب لتهويدها وانهيار لأساسات المسجد الأقصى الشريف، ومن حصار وتشديد على أهلها أدى إلى قيام الانتفاضة الثالثة في هذه الأيام تطورت إلى استخدام السلاح الأبيض من أبناء القدس، وهي نتيجة طبيعية لما شهدوه ويشهدونه من قتل وتدمير وتضييق عليهم في معيشتهم ومنعهم من أداء شعائر عباداتهم في مسجدهم المحتل من قبل الصهاينة المجرمين.
وكذلك ما نشهده من تدخلات سافرة من قبل النظام الإيراني المجوسي الصفوي وأعوانه من حزب الشيطان والحوثيين المجرمين القتلة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، ونسأل الله أن يكفي المسلمين شرور هؤلاء الأعداء، وأن يحمي بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وتتوالى الأعوام
محمد العقلا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
