الناقد ظِلُّ الأديب؛ لأنّ الأديب هو الناقد الأوّل لعمله، فالاشتباك بينهما قائم من لحظة ميلاد الأدب، سواء كان ذلك في ذات واحدة هي ذات المبدع، أم في ذاتين متباينتين متوائمتين أو متصارعتين؛ هما ذات الناقد وذات الأديب، فلا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر أبدا، فلا أدب دون نقد، ولا نقد ما لم يتحقّق وجود الأدب
وهذا يشير إلى جدل العلاقة الإشكاليّة بين هاتين الفعاليتين الإنسانيتين الخلاّقتين
وأبسط تعريف للنقد هو «تعليل الذوق» الذي يؤكّد مقدار التداخل ما بين الثنائيّات المركزيّة الآتية: الموضوعيّة والذاتيّة، العلم والفن، الأحكام العامّة والأحكام الخاصّة أو التعميم والتقييم
فيغدو الناقد بهذا النظر متسلّحا بمنهجيّة متوازنة تمكّنه من تمييز جيّد الأعمال الأدبية من رديئها، وذلك بالكشف عن طبقات المعنى فيها وما يكتنفها من تجلّيات الجمال
ولأنّ النقد كذلك، فسوف يكون له الدور الكبير في وصل القارئ بالأدب، وفي التأثير فيه سلبا أو إيجابا، وهذا هو ما يصوغ شكل العلاقة بين الأديب والناقد، فإمّا أن يُعلي الناقد من شأن أديب ما بحقّ أو بباطل، وإمّا أن يحطّ من قيمة أعماله فيثير حفيظته ويغضبه
فالناقد قاض لكنّه في حقيقة أمره صاحب هوى ما، فتعليله لذوقه عائد إلى مقدرته الخاصّة في الحكم على الأعمال الأدبيّة بموضوعيّة، وإن كانت موضوعيّته الخاصّة به، كما هو عائد إلى مدى الأصالة التي يتمتّع بها ذوقه الخاص أيضا الذي يستطيع بمهارته الفرديّة أن يقترب فيه من الذوق العام، فيرفع من شأنه ويسمو به إلى الأعلى، أو يبقى دون غايته فلا يرتقي هو إلى مستواه
وهكذا فالناقد الحق هو الذي ينصف نفسه قبل أن ينصف غيره من الأدباء، حين يكون حارسا لقيمه العليا، بوصفه ناقدا قاضيا عالما، وأديبا متذوّقا فنّانا بامتياز