تبدو هذه المفردات الثلاث: العنوسة، الطلاق، الزواج من الأجنبيات متداخلة بشكل كبير رغم أن النظرة الشكلية السطحية تراها وكأنها جزر منفصلة ولكل منها أسبابها، الخاصة ونتائجها المنفردة
وهي في حقيقتها ثلاثة أقنعة لمشكلة واحدة تتمثل في هذا الخلل الذي أصاب جسد المجتمع بشكل عميق فغير كثيراً من ملامحه، وبدل الكثير من قيمه، ويكاد يصيب هويته في مقتل
وقد تفجرت بؤرة هذا الخلل خلال الطفرة التحديثية حين هبطت الثروة بشكل كثيف بسبب ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأول من سبعينات القرن الميلادي الماضي
فوضعت المشاريع التنموية العملاقة الطموحة وانفتحت سوق العمل في وجه العمالة الوافدة من كل حدب وصوب، وبكل مستوياتها المهنية والاجتماعية، ونشأت المجمعات السكنية والتجارية العملاقة، وفتح السوق أبوابه مشرعة أمام كل السلع الاستهلاكية، وجرت الثروة بين أيدي الجميع، وكادت السياحة الخارجية أن تكون ظاهرة سعودية بعد أن تبختر الشماغ والغترة في كل شوارع الغرب والشرق
وانفتح الفرد على العالم بالسفر وعن طريق أحدث ما ابتدعته شركات الاتصالات وتقنيتها العالمية، والشاشات الفضائية التي تقدم للرجل والمرأة والطفل وتوجه أذواقهم في كل شيء، بدءًا من اللبس والأكل، انتهاء بالنمط السلوكي والمنظومة الثقافية والقيمية التي تقف خلفه
كان غزواً ثقافياً شاملاً
وكان لا بد وأن يترك هذا تأثيراته البالغة في عقلية النشء والكبار معاً، وقد أحدث تأثيره بالفعل في العلاقات داخل الأسرة بين الأبوين بعضهما بعضا، وبينهما معاً وبين أبنائهما وبناتهما
واهتز بنيان الأسرة وأصيب بالخلل
التداخل والتقاطع:وقد تمظهر هذا الخلل المجتمعي في الظواهر الثلاث التي أشرنا إليها أعلاه كنتائج ليس للهزة أو الزلزال المجتمعي فحسب، بل ولغيره أيضاً من الأسباب والتي يحتل العامل الاقتصادي رأس قائمتها
ومن هنا يجيء تداخلها وتفاعلها، من ناحية، وتقاطعها من ناحية أخرى، مجتمعة ومنفردة مع العامل الاقتصادي، ولكن علي قاعدة المناخ المجتمعي المهتز
ويسير نسق هذا التداخل والتقاطع على النحو التالي:فأنت تسأل: لماذا أخذ الرجل السعودي يتجه إلى الخارج ليتزوج؟
وتجيء الإجابة: لأن الزواج من سعودية يكلف ما لا طاقة له به لغلاء تكلفته، وبالتالي فإن الزواج من أي قطر عربي أو غير عربي يشكل حلاً أسهل
هذا من ناحية العامل الاقتصادي
ثم أن شروط أهل الزوجة في زوج ابنتهم تتدخل فيها اعتبارات اجتماعية وأعراف قبلية لا علاقة لها بالاشتراطات الدينية الشرعية
ستجد أن لهذا علاقة بارتفاع معدلات الطلاق في مجتمعنا، وهو ظاهرة خطيرة أخذت في الازدياد والانتشار بمعدلات مخيفة في السنوات الأخيرة حيث شهد العام 1423هـ وحده وقوع حوالي (18) ألف حالة طلاق، مقابل (60) ألف عقد زواج، في مجتمع تمثل الإناث فيه نسبة (49
4 %) وفقاً لآخر الإحصائيات
وقد جاء في الاستطلاع الذي قامت به الدكتورة ابتسام حلوان أستاذ مشارك بكلية الاقتصاد جامعة الملك عبدالعزيز أن سوء خلق الزوج وعنفه ثم عدم تقديره للحياة الزوجية والسهر وعدم تحمل المسؤولية تصدرا لائحة أهم أسباب الطلاق
وإنها لاحظت عند سؤال المطلقات عن أهم الجوانب التي يجب الاهتمام بها لتجنب الطلاق أنهن ركزن على أهمية الاختيار السليم للزوج والسؤال عنه بشكل دقيـق (فغالبية الناس يصدرون أحكامهم على العريس المتقدم لابنتهم وفقاً لمركزه المادي واسم عائلته وإمكاناته دون النظر إلى ما أمر الله به وهو الدين والخلق)
فإذا ما تزوجت البنت اكتشفوا الوجه الآخر للشاب ولكن بعد فوات الأوان حيث لم يبق أمام الجميع من حل سوى أبغض الحلال إلى الله
أرأيت الآن كيف يكون التداخل؟! كما تبين لها من نتائج الاستطلاع أن استهتار الشاب بالحياة الزوجية في كثير من الحالات يرجع إلى سهولة زواجه حيث إنه لم ينفق أي مال أو جهد لأنه وجد كل شيء مجهزاً له، فإذا واجه أقل مشكلة أو ملّ زوجته طلقها
وهنا تكتمل خطوط التداخل والتقاطع مع العامل الاقتصادي الذي لم يغب أصلاً
نتائج وإفرازات:والواقع أن هذه الظواهر الثلاث رغم تداخلها وتقاطعها مع العامل الاقتصادي تفرز نتائجها السلبية المنفرة، إلا أنها تصب في النهاية في مصب واحد، رغم أن كلا منها تتخذ لها مجرى خاص بها
فالزواج من الأجنبيات يتمخض عنه أطفال مزدوجو الهوية وإشكالات قانونية معقدة في حال فشله
والطلاق يترتب عليه أطفال ضائعون ما بين الأم والأب بعد أن فقدوا المظلة الأسرية الدافئة التي تضمن لهم حياة نفسية سوية طبيعية، كما أنه يتسبب في تعقيدات حياة فتيات في مقتبل عمرهن، ينظر إليهن المجتمع نظرة سلبية، ويكن عرضة لأطماع المرضى وضعاف النفوس، وتضيق الفرص أمامهن لبدء حياة زوجية طبيعية مرةً أخرى
أما العنوسة فلا أظننا في حاجة إلى توضيح مثالبها وأضرارها بعد أن أصبحت شبحاً تخشاه كل فتاة وأسرة، تريد لابنتها أن تبني أسرتها الخاصة وتؤدي الدور الطبيعي الذي خلقها الله من أجله
مزالق الأوهام ومخاطرها:ولكن يبدو أن الشاب الذي يواجه مشكلة ارتفاع تكاليف الزواج في مجتمعه لا يمعن التفكير جيداً في نتائج زواجه من أجنبية، ويبني على هذه النظرة السطحية
فعندما يذهب الشاب إلى الزواج من الخارج وخاصة في البلاد العربية يتصور أهل العروس، أو يصور هو لهم وضعاً اقتصاديا غير حقيقي، وبعد أن تأتي الزوجة إلى المملكة تفاجأ بواقع اقتصادي لزوجها غير الذي كانت تتوقعه أو تحلم به لتطل المشاكل برأسها في عش الزوجية تغذيها خيبة أمل الزوجة
لذا على الشاب أن يمعن التفكير جيداً قبل إقدامه على مثل هذا الزواج، وأن يتحسب لكل صغيرة وكبيرة في المستقبل حتى لا يدفع الأبرياء الذين نتجوا عن هذا الزواج فاتورة واستحقاقات التفكير السطحي
العنوسة.. الطلاق.. الزواج من الأجنبيات
صالح بن سبعان5 دقائق للقراءة

حجم الخط
