مع هلال كل محرم (عاشوراء)، يحق للفن السينمائي الحقيقي أن يصلي صلاة الغائب على روح شهيد (الرسالة)/ مصطفى العقاد، المخرج والسينارست والمنتج العربيكي، الذي ظل التطرّف يحاربه فكرياً بالتحريم والتجريم، حتى أسقطه الإرهاب جسدياً بتفجيرات (عمَّان ٢٠٠٥)!
فالشهيد هو أول من غزا (هوليوود) ثقافياً بفيلم (الرسالة)، الذي دبَّر تمويله من شركاء (يهود) و(نصارى)، ليطعنه قومه (المسلمون) في الظهر؛ حيث فوجئ بهم يحرقون (٨) من دور العرض السينمائي في (لندن) وحدها؛ كما يروي أستاذنا الدكتور (عبد الله الغذامي)، في كتابه المهم (التلفزيون وثقافة الصورة)، بوصفه شاهد عيان حين كان مبتعثاً هناك!!
كانت قلوب المسلمين (العامة) تلتهب غيرةً على الدين، أجَّجها بعض المفتين الذين (نما إلى علمهم) أو (حدثهم من يثقون في عقيدته) أن الفيلم يجسد شخص محمد، صلى الله عليه وسلم!
وقد دعاهم العقاد إلى مشاهدته قبل العرض، وتعهد بأخذ ملحوظاتهم ومرئياتهم بكل احترام! ولم يستجب لدعوته إلاّ القليل من العلماء الحقيقيين، على رأسهم الإمام الأعظم (محمد متولي الشعراوي) الذي صرّح بعد المشاهدة قائلاً: يجب على الحكومات الإسلامية أن لا تقف عند السماح بعرض هذا الفيلم الذي يخدم الإسلام، ويعرّف العالم بنبينا العظيم، وثقافتنا الأصيلة؛ بل عليها أن تبذل الأموال بسخاء؛ لإنتاج ما تستطيع من مثله كل حين!!
لكن بعض الأنظمة الاستبدادية الغاشمة استغلت فتاوى المنع والتحريم، التي أصدرها فقهاء أجلاء يحرِّمون التلفزيون والفن برمته؛ فلم يكن في مصلحة تلك الأنظمة أن تعمل بفتوى (الشعراوي)؛ وإلاَّ لفتحت وعي الشعوب على سيرة (عمر الفاروق) ـ مثلاً ـ لتقارن بكاءه خوفاً من الله أن يحاسبه على شاةٍ تموت على شط (الفرات) ـ وهو في المدينة ـ بقهقهة الجلاَّدين وهم يعذبون (حماراً) إلى أن يعترف بأنه كان يخطط لقلب النظام!
ولم تكتفِ الفتاوى بتحريم تجسيد الأنبياء والصحابة، بل انتقلت إلى تقديس الأئمة والتابعين؛ فهل سمعت عن عمل درامي يحكي جهاد الإمام (ابن تيمية) في مواجهة الصليبيين المحتلين، الذين لم ينالوا منه، ولم يكفروه، ولم يحبسوه؛ فقد كفاهم كل ذلك أقرانه الفقهاء المسلمون!!
وها هو (درء المفاسد) ـ المستند الوحيد للتحريم ـ يصبح (دَرْعاً) حقيقياً لها، وللتخلف، والتطرف، وهلمَّ (دعشنة)!!