(1) عندما تستبد بي الرغبة في معانقة اللحظة المغايرة.. التي تصبح بالنسبة لي اللحظة الإنسانية (الطبيعية)، لا أجد مع ضيق الوقت (الممكن) سوى (كورنر فلامينكو) القابع في منطقة نهرية خلابة في حي الزمالك القاهري.
أما (كورنر) فهكذا يسمونه هناك، والبقاء عليه (أسلم) من تداعيات فكرية متوترة للكلمة (زاوية)، وأما (فلامينكو) فهو اسم الفندق الحميمي العتيق الذي يحتل تلك الزاوية المطلة على النهر (الخالد) بجوار عمارة (أم كلثوم) الشهيرة!
وتلك بعض تداعيات هذه اللحظة المغايرة، التي أردت أن تشاركوني تأثيراتها المنفتحة على كثير من الدلالات.
(2) في أول الشارع باتجاه الجنوب يقبع تمثال (أم كلثوم)، على بعد خطوات من (مسكنها) الأثير، وفي كل مرة أمر عليه يجتذبني السؤال الملح إياه (لماذا حرم هذا الفن لدينا)؟ فأعظم (نحات) على وجه الأرض لا يرى أن (عمله) يمكن أن (يضاهي) خلق الله!
وقد قال فلاسفة الإغريق في غابر الزمن بأن صنع الفنان ليس إلا صورة مشوهة مما خلق (الله)..
الحقيقة أن تمثال (أم كلثوم) بجوار (عمارتها) يؤكد تكريما إنسانيا عبر (الفن) نفسه.. للـ(زمن) كله!
تذكرت بأسى لا يوصف فناننا العظيم (طلال مداح) وقد بخل عليه تلفزيوننا العزيز الذي لطالما (أشبعه) طلال فنا وإبداعا بإعلان (خبر) وفاته (المفجعة) عبر خطابه (الرسمي)!
(3) في (كورنر فلامينكو) ترى الحياة (الطبيعية) (كما هي).. الحياة بتدفقها الاجتماعي (العفوي) الذي نفتقده في حياتنا (هنا) و(جدة..أنموذجا معايشا!).
الحياة التي ترى فيها (بواب العمارة) يصبح عليك (بالرضا)، و(المكوجي) يغني (يا صباح الخير ياللي معانا) متفائلا بيوم سعيد، و(صبي القهوة) يضبط لدكتور الحي قهوته (السادة) ليأخذ من (المعلم صاحب القهوة) التقرير الطبي لجيران (فلامينكو).
وفي المساء يجتمع الجميع بكافة الأطياف في المقهى الأنيق المطل على النيل، منذ أكثر من عشرين عاما (عرفتهم) فيها، يمارسون معا (طقس) الحياة، يغمرونني بشعور الحاجة إلى معايشة (مجتمع) حقيقي، يتحدث أفراده عن ذواتهم الحقيقية بلا خوف أو ريبة، وعن موضوعات سياسية وثقافية وفنية شتى (ليس منها- بالطبع- موضوع كقضية اللاعب/ الأزمة، الذي انتقل للاتحاد ثم فسخ عقده)!
لدينا الطقس (الحياتي) ينتظر مناسبات اجتماعية (باردة) يحضر فيها الجميع بشخصياتهم (الأخرى) ليدلقوا (أشكالهم) ثم (يمضوا) سريعا بلا أثر..!
لدينا لا ترى تلك المنظومة الاجتماعية المتسقة، كل ما تراه (منظومة) عمالة من جنسيات مختلفة، تذرع شوارع الحي المفعم ببيوت لا أثر فيها لحياة.. لأغنية.. لشرفة يطل منها (الحنين)!!
(4) الحياة في مكان كهذا تكلف الإنسان مبلغا لا يتجاوز الثلاثمئة ريال لليوم الواحد (يااابلاااش)، ومليون ريال سعرا لامتلاك شقة (فسيييحة)، كل ما فيها من (الأصلي الثمين) الذي لا يضطر الساكن لتبديله شهريا (كما هو الحال في شقق التمليك لدينا)! كما أنها خالية- تماما- من مشكلات الماء والكهرباء
والتصريف الصحي (هناك لا تنقطع الكهرباء على المواطنين مع حرارة الصيف، ولا تقطع لتراكم فواتير منسية، والماء يجري نقيا سائغا بلا توقف، وأرتال الصرف الصحي الصفراء البائسة لا تصبح على المواطنين بوقاحة كل صباح)!
كما أن (كورنر الزمالك) الشهير مفعم بكافة الاحتياجات الشرائية بأسعار زهيدة (كل واشرب وتفسح وتسوق على كيف كيفك)! وفوق كل ذلك.. فإنك تمتع (روحك) برؤية النهر الخالد وأشجار الكستناء الهائلة على الجانبين وأغنيات
حالمة تصل إلى مسمعك من قوارب ومراكب المتنزهين في لجة (النيل)!
شقق التمليك في جدة (ثلاث غرف فقط) لا تقل عن ستمائة ألف ريال في حي دامس، لا أثر فيه لحياة وماء، لا تنفتح شرفاتها إلا على (المنور الداخلي) الكئيب، يظل ساكنوها على، موعد (شهري) ثابت مع (الوايت الأصفر) الأبدي للتصريف (الشهري)!
(5) ..ومع ذلك فإن (شبرا) أبيض من تراب (بلادي) لا يعادل في (عاطفتي) كل مساحات الأرض.. ولكن ليس كل (بيوتها) السكنية (بالطبع)!!
(كورنر) فلامينكو..!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
