كان ظهور بائع الخبز «الصامولي» في بداية عرض مسرحية «العائد» إيذانا بوجبة فكرية دسمة، تم تقديمها لجمهور مهرجان الفرق المسرحية لرعاية الشباب، وذلك في العمل الذي كتبه محمد السحيمي وأخرجه عبدالعزيز الأحمد وتم عرضه أمس الأول، ثالث أيام المهرجان.
وفيما لو اعتبرنا الأدب هو خباز النصوص المسرحية، ونظرنا إلى كمية ونوعية التقنيات الكتابية التي تم استخدامها والاشتغال عليها في هذا العمل بدءا من توظيف الأسطورة والفلسفة، إلى استعارات النص القرآني.
وتوظيف الأبيات الشعرية، وليس انتهاء بإعادة إنتاج وفهم المفردات، كان التنافس الخفي واضحا بين الأدب والإخراج المسرحي، بشكل أثار تساؤل الجمهور «من هو الذي أعطى الخبز لخبازه؟».
تدور الفكرة حول بائع الصامولي الذي يجد نفسه بشكل مفاجئ محاصرا بجملة من الاتهامات الغرائبية، والتي لا يملك صاحب صنعة بسيط أن يواجهها مهما امتلك من عقل واستيعاب.
المنطق يغيب في تلك الحالة، والحقيقة تفقد نفسها، في مواجهة ما يعتقده الناس حقيقة ويصرون على شرعنته بالحيل، وعلى فرضه بالقوة.
«الحق ينتصر»، قيلت بشكل كثيف الدلالات والرمزية، في عمل يأتي بالمشاهد الفنتازية لمحاكمات متخيلة، ويستحضر مشهد المعلم الذي يعلم طلابه الذين يتحولون إلى خصوم رئيسين له في معاناة بحثه عن العدالة، يشتكي «المسجون» حالة الكذب العامة إلى صاحبه المفترض فيناديه مرارا «يوسف أيها الصديق» قبل أن يعود لمقاومة جلاديه وهو يردد «لقد قتلوا سقراط وماتوا جميعا، قتلهم صوته الخالد إلى الأبد».
أما الخشبة التي جعلتها الرؤية الإخراجية أشبه بغابة، تم فيها استخدام الممثلين كعناصر موقتة للديكور، فيبدون كهوامش وخيالات وجدران لا قيمة لها، ولكنها لا تلبث أن تتحول إلى حالة متكاملة من ديكتاتورية اللفظ والتصرف، ليسيطروا على مصير بطل العمل «الخباز»، ويضعوه أمام صراع غير متكافئ يتواطأ فيه كل شيء ضده.