يظل اقتران الاسم بعنوان جديد يطل من الرفوف ويقرؤه الناس من اللحظات السعيدة للمنضمين حديثا إلى قبيلة المؤلفين والمؤلف أو المبدع كغيره من الناس يفرح بالإنجاز ويطرب للمديح، وينفر من النقد، لذلك فالإصدار الأول بالنسبة له هو هاجس مقلق، ولحظة مختلفة تتنازعها كل أشكال المشاعر وفي هذه المساحة يطل أربعة مؤلفين، صحفي وروائي وشاعر وقاص، يصف كل واحد منهم هذا الشعور


إصدار كتاب كإنجاب طفل

غريزة التأليف أو الكتابة مثل كثير من كوامن النفس البشرية
قليل من الناس أجهدوا أنفسهم في معرفة ماهيتها وجوهرها ومغزاها، واﻷقل منهم من نجحوا على وجه الجزم في إدراك ذلك المعنى أو جزء منه بعد البحث عنه
هذا الإحساس راودني حين حدثتني نفسي بكتابة شيء يسمى كتابا وعشته أكثر عندما خرج ذلك المسمى للوجود، إذ غمرني سرور لا أعرف معناه ولا سره
كان دافعي اﻷول في إخراج «تقارير هاربة» شعوري بأن تلك التقارير قادرة على البقاء أكثر من الـ 24 ساعة التي تقضيها بعد نشرها في الصحيفة، إذ هي في أقل درجاتها تؤرخ لحقبة معينة من زوايا عدة، لكن الذي لم أفهمه بعد هو سر ذلك السرور الذي أعقب العملية، وقد جربت قبل ذلك أن أنجب مثل كل البشر فوجدت الشعورين متشابهين في الإحساس، وأيضا في عدم فهم الباعث على ذلك الإحساس، هل هو الشعور بحجز مقعد أطول في الحياة؟ فالكتاب والابن يمدان في عمر أبيهما، أم هو غبطة بالإنجاز وظهور ثمرة جهد بعد حين؟

الصحفي والكاتب مصطفى الأنصاري

 

لم أكن مؤمنا بالنشر ولم أشعر بنشوة

كان إصداري الأول هو ديوان «هجير» 1416، وقصته كانت بناء على إصرار بعض الأحبة الأدباء، كالشاعر والقاص والروائي والكاتب إبراهيم شحبي، والشاعر الإعلامي عبد العزيز الشريف، إذ لمْ أكنْ أؤمن بجدوى النشر، وكنت لا أطيق الإعلام ولا الظهور، وهذا الإصدار لم يسببْ لي أي نشوة، نظرا إلى أنه مختارات من شعري القديم الذي وجدته مكتوبا بخط يدي
أما سبب عدم نشوتي بأول إصدار فيعود إلى أنني لم أصدرْ كلّ شيء في وقته، بل أصدرتُ بعد تشبّعٍ ذاتيّ بما أكتبه في رفوف مكتبتي، ثمّ إنّ حياتي الشخصية كانت أكثر من الإعلامية، إذ كنت أعيشها عمليّة في ديار ألمع وعسير عموما، مما أغناني عن فكرة الانتشاء بانتشار الاسم والقول للآخرين، ولعل هذا ما جعل الوسط الثقافي يتهمني بالأقلمة والمكانية، وأنا معهم في هذا، لأنني أعتبر مكاني عالميا ويستحقّ الحياة والغناء أكثر من التغنّي بالقاهرة وبيروت وباريس ونوتردام، التي يتغنى بها أهلها بما يكفي
الشاعر إبراهيم الألمعي

 

كانت مطمئنة وكنت قلقا

لا يمكن أن يتجاوز الكاتب مرحلتين مهمتين عند ميلاد إصداره الأدبي الأول
مرحلة الصدور وهي السعادة المبطنة بالقلق من تبعات ما يمكن أن ينعكس من رأي يحط بظلاله على الإنتاج المقبل سلبا أو إيجاباً، وهذا مما مررت به حقا، فبعد صدور روايتي «كانت مطمئنهً»، انتظرت بقلق ماذا سيكون مصيري أنا وليست الرواية كمنتج أدبي، لأن الإنتاج الثقافي يختلف عن العلمي الذي يعتمد على المراجع والمعلومات
وقد وجدت نفسي أخوض تجربة ليست في عالمي الذي تعودت عليه واحترفته طويلا
انتظرت كتابات النقاد حتى يبرروا لي تجربتي أو يقصوني ويعزلوني عنها، لكن الأمر كان إيجابيا، بل تجاوز ما كنت أطمح إليه
النتيجة كانت مرضية ومطمئنة، فقد حصدت الرواية جائزة الإبداع الثقافي في جازان، واختيرت ضمن أفضل ست روايات في مسابقة أدبي حائل، وهذا حدث مهم جدا بالنسبة لي
أعكف حاليا على مراجعة روايتي الثانية بعد عامين من الرواية الأولى، ولا أخفي سراً أنني أكثر حرصاً وتدقيقاً في مراجعة كل الهفوات التي وجدتها في روايتي الأولى، خاصة في القوالب والقواعد الروائية التي أغفلتها بعمد أو قلة خبرة
الروائي حسين القحطاني

 

حبر الصحف ضيع فرحتي

إصداري الأول كان مجموعة قصصية وسمتها بعنوان «رحيل الكادحين» أتبعتها بعمل آخر هو «أبي والقوافل
عطش ورمل» فكانت هاتان المجموعتان متقاربتين جداً بالفكرة والمرحلة،فحينما توفرت لدي هذه النصوص قسمتهما بين مجموعتين بالتساوي 1413، أي إنني أطللت على القارئ فيهما في غضون عام واحد
غير أن فرحة الإصدار الأول اغتيلت في هذين العملين،لأنهما لم يخرجا طازجين للمتلقي، لم أوفر هذا الشعور، لأن محتوى المجموعتين كان منشوراً في ملحق أصوات لدى مجلة اليمامة وصحيفة الجزيرة
أول قطفة كانت لمجموعة «دفائن الهوى» ومن ثم «وتهرأت حبالها»، كانا عملين طازجين، ولم يمسسهما حبر الصحف، وكنت سعيداً وحفياً بحجم التلقي وتناول النقاد لكتاباتي فيهما بالتحديد
وبالعودة إلى إصداري الأول، فقد شُغفت في صياغة العنوان على نحو تقابلية ،فكانت هذه المترادفات في العنوان هاجس وعي حدد معالم السرد في كثير من القصص
كنت معنيا أيضا باللغة،وذلك من أجل إخراج حكاية الشخوص من مظانها المحكية البسيطة والعفوية،ورفعها إلى مستوى القراءة الإبداعية
الشاعر والقاص عبدالحفيظ الشمري