أتذكره من صباي، شق صوته سكون الليل بلا ميكرفون ولا سماعات
ليوقظ أحاسيس غافية، ويشعل الوجد في أحضان السحر: «يا خير من يرجى لكل ملمّة أنت الملاذ لدى الشدائد والمحن» تعرفونه
-ومن لم يعرفه فإنه قد سمعه- جاء في زمن الشجن
وهو الذهب الأبيض الصقيل، يسمّونه (الأبلتين)، وما أدراك ما الأبلتين، مؤذن الحرم -يرحمه الله- عمّنا عبدالرحمن مؤذن
كنت عودًا من طرف حزمة في جيلنا الوسيط
هذّبنا الشجن، وتفتحت عيوننا وآذاننا وذائقتنا عليه
سمعنا كباره، حسن لبني وحسن جاوه في التسجيلات، وبعدهم رأينا محمد علي سندي وفنان (حارة الشام) عمر باعشن وغيرهما، لم تخلُ أعمالهم الفنية من ذكر الله، في مجتمع نشأ بعلم -أو بلا علم- على بسم الله
وفي أمان الله
وتوكلنا على الله
ويا فتاح يا عليم
وغيرها من العبارات التي اختلطت باللحم والعظم
يبدؤون بها ويختمون: بسم الله
أول قصيدي في الله
ثم يجيء المضمون بعد الاستهلال: «يا مسكِ
ين
ألزم بحبل التمكين قوّي الدين من قبل تنزل في الطين
كن واثق والزم بحبل الخالق هو الرازق يغفر ذنوب الفاسق والعاشق ماله سوى الله يهدي»
إنهم يعيشون حياتهم ببساطة
حبًا لكل ما هو جميل
يمارسون عواطف إنسانيتهم وفطرتهم
يعرفون ربهم ويؤدون فرائضه
يستعينونه ويستهدونه في سواد الليل وبياض النهار
وكان طاهر زمخشري، شاعر الوجد والشجن، المعجون بالرقة، كتلة إنسانية نبتت من طين وعجين أمنا الأرض
رددوا قصيدته الشهيرة (رباه)، وظلّت تتردد بأصوات الأجيال: رباهُ هذي يدي تمتد ضارعةًومن نداك لها صفحٌ وغفرانُ وفي الحنايا براكينٌ معربدةٌومن لظاها على الخدين طوفانُ أحبوا حياتهم بكل ما فيها
وكانوا حينما تتعبهم يقولون لها: (تعبك راحة)!
الذين قالوا لها "تعبك راحة"!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
