لتتزوّج وتنجح لا بد أن تجيد «التّغريد» داخل السّرب وخارجه وتتعلّم كثيرا من النّغمات والأوتار الصّوتيّة والمقامات المفصلية الإبداعية، وتستطيع أن تأتي بالجديد والمميّز في عالم الصّدْح بالصّوت والفكر والعقل والتصرّفات في ظروف صعبة ونفْسيّات متأزّمة، لأنّ هذا هو العلامة الفارقة بينك وغيرك بالنّسبة لامرأة تسعد بك وتسعد بوجودها ولو كنتما في زمن الحروب، وكأنّك دوما تناديها بتغريدك وتقول: «انظري إليّ أنا تلميذ جيّد».
في المناطق التي تعجّ بالمشكلات الاقتصادية الصّعبة يكون الاستقرار الأسري بين الأزواج على مستوى التمسّك أكثر وأعمّ، وفي المجتمعات التي بها ظروف سياسيّة متوتّرة وما يصاحب ذلك من هجرة ولجوء وتغيّر أحوال تكون مؤسّسة الزواج رغم ما يحفّها من مخاطر أكثر واقعيّة وأمانا وتضحية وتناغما.
وعندما يرفع الرّجل شعارا يقول فيه: «انظروا إليّ أنا تلميذ جيّد» فهو يتوافق مع دراسة أجراها «الدكتور كارلوس بوتيرو» عن «العصافير» (التي أثبت فيها بأنّ «زقزقة» الطيور وألحانها في ظروف التقلّبات البيئيّة الصّعبة تكون أكثر إبداعا منها في الظروف العاديّة، ليصل بذلك إلى أنّ الهدف أساسا من إصدار هذه الأصوات هو دعوة الإناث لتكوين أسرة «عصفوريّة» جديدة مستقرّة بدعاية إبداعية يمكن ترجمتها بجملة: «انظروا إليّ أنا تلميذ جيّد»، والإناث بدورها تختار أكثر الذكور إبداعا لأنه القادر على البقاء والمحافظة على النّسل، ممّا يجعل المنافسة في هذا المجال شديدة والتعلّم التنغيميّ متطوّرا لأنّه لا يولد مع الطيور بل تتعلّمه لتبني أسرا باقية).
ومن يراقب ذلك الالتزام لدى المشردين تجاه مؤسّسة الزواج في مناطقهم المحتلّة وبلداتهم المتعرّضة للاعتداء دوما وأماكن تواجدهم في الشّتات يرى كثيرا من العجب الطّبيعي لمن يعيش مثلنا ـ ولله الحمد ـ في أجواء سالمة وآمنة من مثل ما يتعرّضون هم له، ليكون هكذا ديدن الشدّة والصّعوبات والمشاكل الأمنية: لا تفْرز إلا تلاحما وتماسكا حتى في المساحات الشخصيّة الخاصّة.
وليس هذا التصوّر بالقاعدة العامّة بقدر ما هو رؤية لما تكون فيه أوضاع العقول والقلوب والنّفسيات في الظروف الطارئة أو الأحوال الشديدة للمجتمعات، ففي الوقت الذي تضرب فيه العنوسة للرجال والنّساء أوتادها في أعماق التركيبة السّكانية العربيّة إلا أنّ هدْم المؤسّسات الزوجية القائمة «بالطلاق» يكثر في الدول المستقرّة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا أكثر منه في الدول الضد.
وفي مجال المواليد والنسْل ما من شكّ بأنّ لدى الفقراء الرّازحين تحت نير الاحتلال والتشرّد والتهجير نزعة نحو كثرة الذريّة مقارنة بغيرهم ممن تتوفّر لديهم إمكانيات وأموال ومنازل تكفي لاستضافة كثير من لاجئي عالمنا العربي، ورغم ذلك يضيق ذرعا بابن أو بنتين.
وعوْدة للتغريد الذي اهتمّ به مركز «دورهام» الأمريكي لدى العصافير ودوره الهام في اجتذاب الإناث من الطّيور لعالم مليء بالتناسل والاستقرار والمحافظة على الصّغار أجد أنّ الرجال الذين يحسنون التّغريد بمواصفات سلوكيّة ولوجستيّة وأيديلوجيّة معيّنة هم الأقدر على بناء أسر أكثر استقرارا وتغريدا وبقاء ولو في مجاهل الصحراء وظلام السّراديب، وانتقاء المرأة للإبداع في مجموعات المغرّدين من الرّجال ليس اعتباطيا أو من قبيل النّزوات والشّهوات، بل هو تخيّر للأصلح من المهارات والأبقى من الاعتبارات والأقوى من المحافظين على بيوتهم وأولادهم وزوجاتهم في أمان تبحث عنه كلّ أنثى وتستدلّ عليه بجوْدة التّغريد.
وحين انعكس المظهر العام للمشكلات العربية الشرق أوسطيّة على فنونهم وثقافتهم وإنتاجهم الإبداعي انزعج آخرون منهم من فرضيّة القول «بأنّ الإبداع لا يأتي إلا في المصائب والمشكلات والحروب» وزرع التّشاؤم في نفوس الكثير بزوال الغمّة وانقشاع الهموم نظرا لازدياد معدّل الإبداعات العربيّة عن غيرها ولو في الممارسات الفردية لآحاد منهم هنا أو هناك، وبقيت المؤسّسة الزوجية تعمل بصمت وترفع من مهارات أفرادها بهدوء متمسّكة بأنّ الالتصاق بالأمان المشروع في مصدر المودّة والرّحمة في ظروف صعبة هو طوق النّجاة تغريدا وتنغيما.
الأزواج المغرّدون
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
