حين نحاول تحليل آلية عمل الذهنية الممانعة لكل (شؤون التحديث والانطلاق في طريق التنمية والنهضة) سوف نجد جملة من القواعد التي تحكم تلك الآلية التي تنطلق أولا من الانفصام بينها وبين أي (جديد) وصولا إلى حالة الانسجام التام مع ذلك الجديد بعد أن يصبح واقعا على الأرض.
إحدى تلك القواعد الذهنية التي تلجأ إليها العقلية المحافظة هي استخدام منطق (الهوية) والذي به اضطرت تلك العقلية إلى كثرة استخدام لفظة (التغريب) كأيقونة اصطلاحية يمكنها أن تثير المخاوف المفترضة في وجه كل أشكال التحديث في الحياة العامة أو مواكبة ما يجري في العالم، ولهذا الاستخدام لنقطة الهوية تحديدا ذكاء موضعي لا ينكر، لماذا؟النص الشرعي لا يمكنه – في بعض الأحيان – أن يخدم منظومة الممانعة، بل ربما قد يقف ضدها في بعض المسائل، خصوصا في بعض قضايا المرأة وحضورها التاريخي في عصر صدر الإسلام وما بعده.
إلا أنه وباستخدام مخاوف (الهوية) فسوف تنتقل المناورة إلى أرضية أكثر إنشائية، بعيدا عن مؤطرات النص الشرعي الثابت والحاسم أو الوقائع التاريخية المشابهة، وبذلك يتحلل المنطق الممانع من عبء الحسم النصوصي أو القياس الاستدلالي إلى فضاء أكثر إمكانية للمزايدة على الكثير من القيم؛ نظرا للخصوبة الإنشائية اللامحدودة لمفاهيم الهوية التي لم تكن يوما ما شيئا ثابتا لا في نص ديني، ولا حتى تعريف فلسفي!بتلك المناورة التي تعتمدها كثيرا منظومة الممانعة يمكننا فهم إحدى قواعد تلك الآلية في التفكير التي لا يمكن مواجهتها بنفس أدواتها في النص الشرعي، حيث النصوص المضادة أحيانا لرغبات ومزايدات تلك المنظومة، وبالتالي فعملية الهروب لمنطقة إنشائية كالهوية والمزايدة اللامتناهية على مفاهيمها ستشكل استراتيجية ممتازة لقواعد التنقل والتحرك لإثبات الوجود.
قاعدة ذهنية أخرى تستخدمها منظومة الممانعة وهي إسقاط الدلالات النصوصية على الخصوم، فتستخدم ألفاظ (المنافقين/ المرجئة) لإسقاطها على تيارات وأشخاص يختلفون معهم الاختلاف الطبيعي في زوايا الرؤية، وبالتالي فإن تسويق بعض النصوص المتضمنة تلك الألفاظ مع إسقاطاتها المفاهيمية على الأشخاص والأفكار ستشكل عند أتباع تلك المنظومة ذات الصوت العالي جدا عقيدة عميقة تبرر لهم أي سلوك مع ذلك (الآخر/ المختلف) كون أن ذلك السلوك هو من أجل ما يتصور أنه دفاع عن الدين بالضرورة.
تلك القاعدة الأخيرة تصب في ما يمكن وصفه بأنه (تزكية الذات) والأفكار الخاصة التي جاء النص القرآني محذرا منها بوضوح: (ولا تزكوا أنفسكم)، إلا أن منطق الخصومة التي تطفح عند هؤلاء لا يملك إلا أن يدفع بكل ما يتمكن به من إدارة معاركه على الساحة، بما في ذلك لي أعناق النصوص لخدمة الذات!(قواعد اللعبة) التي تستخدمها تلك المنظومة لا تنتهي، إلا أن ما يجب على الإنسان الذي يحترق من أجل مستقبل وطنه أن يتقن تشخيص وفهم تلك الذهنية جيدا، قبل الدخول معها في جدل لن يكون متكافئا دون الفهم العميق لتلك الآليات والقواعد، وبالتالي إتقان المحاججة الأعمق التي من شأنها إيضاح الحقائق لبقية (الأغلبية الصامتة)، وكل ذلك في سياق العنوان العريض للحوار الوطني الضروري الذي يمكن أن يساهم في رسم ملامح المستقبل.
قواعد اللعبة
وحيد الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
