جئتَ يا سيد الخلق لتؤلف بين قلوبنا بالمحبة (قل إن كُنتُم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، وما زلنا نبتعد عن نهجك إلى أن صارت الكراهية هي اللغة التي تحوك حتى في أنفسنا، ونصنف الناس باسم دينك العظيم، وبوحي من سنَّتك الشريفة! أعلنت الجهاد ضد الكفار والمشركين والمنافقين، وها نحن نعلنه ضد أنفسنا، ونتقاتل تحت الراية نفسها التي قاتلت أنت وأنصارك الكرام لإعلائها! وقد تقاتل تحتها قبلنا بقية من أصحابك بقيادة سيدنا (علي)، وكاتب وحيك (معاوية)، ولكن مع فارق سحيق، هو أن الفريقين كانوا يُصلُّون على القاتل والقتيل؛ لأنهم ـ كما يقول سيدنا علي ـ إخوان بغى بعضهم على الآخر فقاتله! دون أن يخرجه من الملة، أو يتألَّى على الله فيعتقد أنه من أهل النار!!وجئت يا صفوة الرسل بالعدل، وأقسمت بالحق «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»! ونسبت ما قد يقع من خطأ في الحكم بين خصمين إلى ذاتك الزكية؛ تأدُّباً مع الله تعالى فقلت: «إنما أنا بشرٌ مثلكم يأتيني الخصم...» الحديث المعروف!وها نحن يا سيدي نظلم، ونأكل أموال الناس بالباطل، ولا نعدم من ينسب أخطاءنا إلى شرع الله تعالى! ونجيز لأنفسنا إساءة الظن بالناس، ونتجسس ونتحسس، ويأكل أحدنا لحم أخيه ميتاً، ولا يخجل أن يحمد الله وهو يتجشأ!!وجئتَ بالمساواة بين كل البشر (يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وها نحن (نتناكر) بدل أن نتعارف، ويعتقد المهايطون منا أن أصولهم أنقى من غيرهم، وأن دماءهم أنبل الدماء، ثم لا يعدم أولئك الجهلة من يشرعن مخالفتهم الوقحة لكتاب الله تعالى؛ ليفرقوا بين المرء وزوجه!!وفي مقابل ذلك التفريط يأتي إفراط قومٍ أحبوك؛ حتى ظنوا أن الكون كله إنما خلقه الله من أجلك!! وما زال الفريقان يتقاذفان رسالتك العظيمة، وكل أمةٍ تلعن أختها! لا أمل للبشرية ـ يا سيدي ـ إلا أن تبعث من جديد رحمةً للعالمين! ولو عدت الآن لخلعتَ بُرْدَتَك الطاهرة على (محمد إقبال) لقوله: طوَّفتُ في أرض الجزيرةِ والعربْ ...فما وجدتُ محمّداً...ولَكَمْ وجدتُ أبا لهبْ!!