المؤشرات الاقتصادية أدوات رئيسة يعتمد عليها في تقييم نجاح السياسات الاقتصادية من عدمه، كما أنها من الأدوات التي يمكن الاعتماد عليها في جذب الاستثمار الأجنبي، كونها تسهم في بناء صورة كلية عن اتجاه الاقتصاد الكلي، ومعظم الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا تمتلك مقاييس ومؤشرات خاصة تقيم بها فاعلية سياساتها وخططها الاقتصادية وتنشرها دوريا على مواقعها المتخصصة سواء مراكز الإحصاء وبعض الصحف المتخصصة.
هذه المؤشرات كثيرة ومتعددة، تقدرها حاجة الدول، ففي الولايات المتحدة الأمريكية واليابان يوجد أكثر من عشرين مؤشرا اقتصاديا، تختلف هذه المؤشرات تبعا لنوعية اقتصاد الدولة وحجم إنتاجها الصناعي والتجاري، لكن أهميتها متفقا عليها في معظم دول العالم، ويحدد الأهمية ما تقدمه هذه المؤشرات من معلومات حديثة وجديدة، أو ما تقود إليه من استنتاجات لا يمكن التوصل إليها من خلال التقارير أو البيانات الأخرى.
أبرز هذه المؤشرات، مؤشرا الثقة الاقتصادية ومناخ الأعمال، ويمكن اعتبارهما أهم مؤشرين للتعرف على مدى التفاؤل والتشاؤم في الأداء الاقتصادي أو بقاء الحال على ما هو عليه، كونهما يشملان قطاع الأعمال والاقتصاد وبيئة المنشآت الاقتصادية بمختلف أنواعها، ويعطيان دلالة واضحة لمدى التفاؤل والثقة في أداء تلك الجهات مستقبلا، ويعتبران تقييما دوريا لأداء جميع القطاعات سواء الحكومية أو الخاصة، كما أنهما يعدان تغذية عكسية سريعة يعتمد عليهما في تحسين أداء تلك الجهات، ومراجعة السياسات الاقتصادية وتعديلها وفقا لذلك، كما أنهما يمكن أن يؤثرا على قرارات المستهلكين الإنفاقية والادخارية.
وفي الاقتصاد العالمي ينظر إلى مؤشر ثقة المستهلك بكثير من العناية والاهتمام، كونه يعد أحد المقاييس لمدى الرفاهية الاقتصادية للدولة ويعكس مستويات رضا المستهلكين وتوقعاتهم بناء على عوامل ترتبط بشكل مباشر بالاقتصاد ويقيس درجة التفاؤل والتوقعات والإقبال على الشراء عندهم تجاه أوضاع السوق والاقتصاد ومستقبل التطورات أو الرخاء والنمو في هذه السوق، وبناء عليه يمكن تحديد وجهة الاقتصاد المستقبلية وتقييم فعالية السياسات المرتبطة بذلك.
وعلى سبيل المثال، مؤشر ثقة المستهلك في الولايات المتحدة الأمريكية يتم بناؤه من خلال مسح يشمل أكثر من 5000 أسرة، ويهدف لقياس مدى تفاؤل أو تشاؤم المستهلكين تجاه الأوضاع الاقتصادية، وتوقعاتهم نحو المستقبل، يتضمن هذا الاستبيان خمسة أسئلة رئيسة تهدف لمعرفة انطباع هؤلاء المستهلكين وتقديراتهم للأوضاع الحالية للأعمال وتوقعاتهم لها خلال الأشهر الستة المقبلة، إلى جانب تقديراتهم لأوضاع العمالة الحالية وتوقعاتهم لأوضاع العمالة ولحجم الدخل العائلي للأشهر الستة المقبلة.
هذا الاستبيان يتضمن فقط ثلاثة أجوبة مختصرة ومحددة لكل سؤال على حدة: إيجابي أو سلبي أو حيادي لا رابع لها، وفي النهاية يتم تجميع الأجوبة لكل سؤال من الأسئلة، وتقسم على مجموع الأجوبة للتوصل إلى الأهمية النسبية لكل جواب، بما يعطي دلالة واضحة لكل سؤال من هذه الأسئلة الخمسة، ويمكن اعتبار كل سؤال منها مؤشر لوحده، ويتم مقارنة هذه النتائج مع سنة الأساس الخاصة 1985م، والقراءة المرتفعة لهذا المؤشر تشير إلى ارتفاع معدل تفاؤل المستهلك النهائي، ويعني ذلك زيادة الطلب والشراء للسلع والخدمات، مما ينعكس إيجابيا على تنشيط الاقتصاد، والعكس في حاله القراءة المنخفضة، كما أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي ينظر بعناية إلى ثقة المستهلك عند تحديد أسعار الفائدة، لأن الاستهلاك الفردي يشكل ثلثي الاقتصاد الأمريكي.
إنشاء هذه المؤشرات لم يكن يوما من العبث أو الترف الاقتصادي الزائد، بل كان وما زال مؤشرا اقتصاديا تفرضه الحاجة لقياس المعنويات تجاه الاقتصاد، وأعتقد أن الحاجة لمثل هذه المؤشرات تزداد أهمية كلما كبر حجم الاقتصاد وازدادت قيمته.
على حد علمي المتواضع، لا يوجد مؤشر ثقة المستهلك السعودي في الأداء الاقتصادي المستقبلي رغم أهمية ذلك اقتصاديا، وغياب قياس هذه المؤشرات نتيجة طبيعية لغياب مراكز الدراسات والأبحاث الاقتصادية المتخصصة، ويمكن أن يقوم بها مركز الإحصاء والمعلومات العامة بهذا الدور لتوفير قاعدة بيانات عريضة يمكن أن تستخدم في بناء مؤشرات عدة لثقة المستهلك والإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي ومؤشر البطالة وغيرها من المؤشرات ونشرها دوريا.
لماذا لا توجد مؤشرات للثقة الاقتصادية؟
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
