غدا أو بعد غد سيقام معرض للكتاب هنا أو هناك، وإلى أن يقام فلا يسعنا إلا أن نتمنى، نتمنى أن لا نشهد مطاردات بوليسية احتسابية، نتمنى أن لا نقرأ روايات تنسخ ثرثرة الاستراحات بالحرف، نتمنى أن تنمي زيارة المعرض وعي الزوار وفكرهم لا أن تضيع وقتهم، هذا أولا، أما الأهم هنا فهو هذا الكاتب، أو المؤلف المبتدئ، من منا سمع عن كاتب مبتدئ، لم يمر بإحباط؟حتما هناك إنسان تعب وأمضى فترة من حياته ليست بالبسيطة، يعصر ذهنه ليخرج بشيء مفيد، وفعلا خرج بشيء مفيد يضيف للقارئ الشيء الكثير، ولن أتحدث هنا عن المرمطة التي حتما قد وجدها من «دور النشر» التي بات معظمها يبحث عن الربح، تستمر في الشوشرة والمحتوى الذي يدغدغ العاطفة، أو تبحث عن أسماء مشاغبة لتنشر لهم بغرض الربح السريع، هذه الدور التي تتعامل مع القارئ على أنه زبون لا قارئ، وتتعامل مع الكاتب على أنه مصدر دخل لا صاحب فكر.
لن أتحدث عن كل هذا، إنما عن علاقة المؤلف بمعرض الكتاب، وفي الحقيقة أنا لا أعرف طبيعة هذه العلاقة، لكنني ألمس على أرض الواقع شيئا من فوضوية، أرى أنها مجرد علاقة عابرة، علاقة تستمر لبضع ليالي ثم يدير كل منهما ظهره للآخر، أو بمعنى أصح المعرض هو من يدير ظهره للكاتب المبتدئ الذي كان يحلم بأن تستمر هذه العلاقة ولكن هيهات، هيهات أن تستمر علاقة مرهونة بإشباع حاجات وقتية عابرة.
كثيرون يتذكرون عن معارض الكتاب الماضية أشياء كثيرة لا علاقة لها بالكتاب، يتذكرون مطاردات احتسابية، يتذكرون كتبا لا علاقة لها بالكتب، يتذكرون شخوصالا علاقة لهم بالتأليف إلا أن لديهم مؤلفات! وحتما هناك مؤلف مبتدئ شارك في معرض الكتاب، وقدم مادة ثرية بحق، حتما كان سعيدا بأن يعرض كتابه الأول في معرض الكتاب، وربما بنى آمالا عريضة وهو يرى كتابه يباع بكمية مقبولة كبداية، وحتما بعد أن أغلق المعرض أبوابه أصيب بالإحباط بسبب انطفاء أضواء الفلاشات وإزالة البهرجة الكرنفالية، ليكتشف بعدها أنه كان محط الأنظار لغايات محددة.
كوني متابعا من بعيد، أرى طبيعة العلاقة بين المعرض والمؤلف تتقاطع كثيرا مع «برامج المواهب التلفزيونية»، حيث غاية القائمين على تلك البرامج أن يتحصلوا على أكبر عدد من المشاهدين عبر جذب الكثير من المواهب الشبابية، يلمعونهم، يزخرفونهم، ثم يعرضونهم بصورة جميلة لهدف محدد، وما إن ينتهي البرنامج إلا ويختفي الشباب أصحاب المواهب الرائعة عن المشهد تماما، تتم إزاحتهم إلى الظل بالإكراه، ثم يغلق المسرح أبوابه، ويذهب المشاهدون سعداء بلا سبب منطقي.
إن مثل هذه البرامج في حقيقتها هي برامج خانقة للمواهب، هذا لأن القائمون على مثل هذه البرامج وفور انتهاء البرنامج، ينظرون إلى الشاب صاحب الموهبة أنه استثمار فاشل!فهل هذا ما يحدث بين المؤلف المبتدئ ومعارض الكتاب؟ هل هذا ما يحدث بينه وبين دور النشر؟ هل هذا ما يحدث بينه وبين كل من له علاقة بالكتاب؟ كم مؤلف قدم مادة مهمة تنم عن وعي وإلمام معرفي، قد سلطت عليه الأضواء مدة المعرض فقط، وزاد عدد متابعيه في مواقع التواصل مدة المعرض فقط، ثم تلاشى عن المشهد تماما فور انتهاء المعرض، وألغى المتابعون متابعاتهم ثم أطفئت الأضواء؟ لماذا ليس لدينا برنامج للاستثمار في هؤلاء المؤلفين المحبطين؟ ألا يكفيهم الإحباط الذي سببته دور النشر حتى نضيف إليهم إحباط «ما بعد معرض الكتاب»؟ إن كانوا قد قدموا مادة فكرية مفيدة حقا فلماذا لا يجدون الدعم؟ هل بات المؤلف فور انتهاء المعرض استثمارا فاشلا فعلا أم لا علاقة للمعرض بالمؤلف إنما اهتمامها منصب فقط بجذب أكبر عدد من الزوار؟