لم يكن الناس في مجتمعنا يبالون بوجود متشدد ينزع نحو الغلو في آرائه الدينية، وكان الغالبية منهم يحملون ما يرون منه من تشدد على غلبة الورع والتقى عليه حتى تحول الغلو إلى حمل السلاح والخروج على الأمة بالتفجيرات الانتحارية التي قامت بها القاعدة، ثم ابنتها داعش التي توسعت في العنف العبثي حتى وصل الأمر إلى قتل المصلين وقتل الأقرباء.
عند ذلك استيقظ وعي الناس، وأدرك كل شخص أن التطرف يهدده هو نفسه في دينه، وحياته، ورفاهيته، ومستقبله ومستقبل أولاده، هذا الوعي – وإن جاء متأخرا – يجب استثماره لاجتثاث التطرف والغلو بالقضاء على أسبابه والبيئة الحاضنة له؛ لأن التطرف وباء إذا استشرى عاد على البلدان بالخراب.
هكذا يعلمنا التاريخ والواقع، فقديما أوقف المتطرفون الخوارج بعنفهم العبثي عنفوان الفتوحات الإسلامية بعد أن وصلت إلى جنوب فرنسا وإلى الصين والهند، وأرغموا الجيوش على العودة لحماية المجتمعات من العنف العبثي الذي وضعها فيه الخوارج باسم الدين.
وقد أحسن وهب بن منبه في وصف الأمة - لو تمكن المتطرفون الخوارج من الاستيلاء على السلطة فيها - حيث قال: «إني قد أدركت صدر الإسلام، فوالله ما كانت الخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، ولو مكَّن الله لهم لفسدت الأرض، وقطعت السبل والحج، ولعاد أمر الإسلام جاهلية، وإذن لقام جماعة كل منهم يدعو إلى نفسه بالخلافة مع كل واحد منهم عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله لا يدري مع من يكون».
ولقد أدى الدور نفسه ورثتهم متطرفو اليوم أصحاب العنف العبثي في واقعنا المعاصر، وما زالوا يؤدونه معوِّقين نهضة الأمة وتحررها، حيث أدى العنف العبثي الذي قامت به القاعدة في إسقاط دولتي (أفغانستان)، و(العراق)، وأيقظ فتنة الطائفية بين السنة والشيعة التي قد تتحول في ظل الزخم الطائفي المخيف إلى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، وأحبط قيام جمهورية أزواد التي أقامتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد على شمال مالي عام 2012 بعد حركة نضالية طويلة، فجاءت جحافل القاعدة بعنفها العبثي وتطرفها الديني واستولت على الجمهورية الوليدة، وطردت الحركة مما دعا فرنسا للتدخل بدعوى محاربة الإرهاب، وأفشلت الاستقلال بمباركة دول العالم.
ولقد تفوقت داعش على أمها القاعدة فحملت مشعل إحباط أي محاولة للتحرر أو النهوض فاجتاحت العراق، ودمرت نسيجه الاجتماعي بارتكاب المذابح في الشيعة، واليزيديين، والمسيحيين، ثم في من لم يبايعها من القبائل السنية، وتفننت بالتخلص من خصومها بالذبح، والإحراق، والإغراق، والشنق، والسبي، وتفجيرهم أحياء.
وصاحب كل هذه الأعمال المروعة تصويرها وإذاعتها للعالم كله باسم الإسلام حتى أصبح اسم الإسلام مقترنا بالوحشية، والدماء، والذبح، والإحراق، وسبي النساء، ثم امتدت إلى سوريا فسعت سعيا حثيثا لإفشال ثورة شعبه، فعمدت لقتال الثوار وملاحقتهم، وتفجير مقراتهم، وتدمير الآثار، وأهدت بهذا للنظام السوري وحلفائه هدية لا تقدر بثمن؛ إذ يئس العالم من الثورة، ولم يعد أمامهم سوى داعش وتطرفها، ورعونتها، وهول ما تنشره من إجرام، فتنادت الدول لمحاربتها، وتناست إجرام النظام الذي أهلك 350 ألفا، وشرَّد سبعة ملايين، وفي ليبيا بعد أن تحررت من دكتاتورها، وكادت أن تنهض عمد الغلاة الداعشيون لخلط الأوراق، فسلوا سيف عنفهم العبثي، وأدخلوا ليبيا في مرحلة خطيرة من عدم الاستقرار.
وفي أفغانستان بعد أن لاحت بوادر الحل بعقد محادثات بين الحكومة وطالبان دخل الغلاة الداعشيون، وبدأ عبثهم على استحياء، وما يلبث أن يشتد عوده فينتكس وضع البلاد إلى أشد مما كان، وفي اليمن حينما لاحت بشائر التحرر من الانقلابيين تحرك الغلاة الداعشيون فقصفوا عدن، وقبلُ كانت القاعدة ورقة في يد الرئيس صالح يخوف بها الدول المجاورة والدول الغربية.
لقد كان حصاد الغلاة المتطرفين مرّا، فقديما أوقفوا الفتوحات الإسلامية باسم الإسلام، واليوم باسم الإسلام أدخلوا المجتمعات الإسلامية في دوامة عنف عبثي وحروب أهلية، وحسب صحيفة (الأندبندنت) البريطانية «إن داعش جنى على العرب، وجعلهم يقتتلون فيما بينهم والأمريكيون والإسرائيليون ينعمون بالسلام»، وسلطوا عليها أعداءها، وأصبحت تهمة (الإرهاب) حجة يلوح بها كل من أراد شرا بالأمة، فباسم إرهاب الغلاة تقصف البلدان، وتوصد بوجوه المسافرين أبواب الدول، وتستنزف جيوش دول الأمة، وتضيع ثرواتها، ويتدرع بحربه كل دكتاتور يقتل شعبه.
وأصبح الإسلام نتيجة تصرفات الغلاة في وعي شعوب العالم علامة على الذبح والقتل والسبي والإحراق والتفجير، وأحدثت تلك التصرفات موجة من الإلحاد لدى فئام من الشباب الذين صدموا بأفعال الغلاة، وشعروا بالعار من الانتساب لدين يمثله أولئك الغلاة، تلك بعض نتائج أفعال المتطرفين، وقد يكون القادم أدهى وأمر.