بين ما يقوله المتحدث وما يصل إلى أذن المستمع مسافة ليست بالقصيرة، وإن كانت أحيانا لا تتعدى بضعة سنتيمترات! تلكم هي مسافة الفهم والاستيعاب، التي تضيع معها وفيها الكثير من المعاني المقصودة.
وأنا ألخص الأمر بهذه العبارة:المسافة بين فمي وأذنك لا تقاس بالسنتيمترات، بل تقاس بفهمك لما أنطق به!لكن يا ترى، لماذا يضيع أو يغيب المراد عن فهم المستمع، بالرغم من وضوح الكلام وحتى قوة نبرة الصوت؟! يبدو أن أمامنا بابين للولوج إلى الإجابة عن هذا السؤال/ التساؤل:أولهما باب مصبوغ باللون الأسود، وذلك حين يكون المستمع من طائفة الأعداء أو محدودي الفهم، فهذان الصنفان يفهمان الحديث كما يشتهيان لا كما يقصد المتحدث.
وهنا يصعب بل يستحيل الإقناع، لأن الشخص من هذين النوعين، يجلس اختياريا مع سبق الإصرار والترصد على عدم الفهم، والحقيقة هنا أنه لا يستمع بل يسمع.
والفرق بين الفعلين كبير، فالاستماع هو فعل مقصود يمارسه الإنسان بغرض الاستيعاب، أما السماع فهو فعل غير مقصود، تصل من خلاله الأصوات إلى الأذن، دون أن يكون لها اهتمام بالضرورة، بينما الإنصات أعلى درجة من السماع والاستماع، وهو استماع مصحوب بالتأمل فيما يقال.
الآن دعونا ندخل من الباب الأبيض، فعندما يكون المستمع من دائرة أصدقائنا وأحبابنا، فالأمر قد لا يختلف كثيرا!لحظة من فضلكم، سأحاول الإيضاح من جانبي، واثقا في الاستيعاب من جانبكم!في هذه الحالة هناك مانعان مهمان يحولان دون الفهم:أولهما: ضرب الأمثلة، فربما كان الكلام واضحا لكن اختيار المثال لم يكن موفقا، وهنا يقع التشويش على فهم المستمع ويغيب عنه المعنى المقصود.
المانع الثاني: انشغال المستمع بتحضير الإجابة، وهذه حيلة عقلية سلبية، نمارسها بكثرة، فالمستمع وبدافع الانتصار لذاته وليس الوصول للحقيقة، ينهمك في التفكير، باحثا عن رد على ما يقوله المتحدث.
في حين أن المفترض الإصغاء للكلام، والانتظار ريثما تكتمل فكرة المتحدث، ومن ثم الرد عليها.
وهناك نوع لطيف من الفهم، وهو موافقة المحب لمحبوبه مهما قال!وهذا يدخل في المقولة الشهيرة التي تصف الحب بأنه أعمى، فالمحب يخشى مخالفة محبوبه، وبالتالي فقدانه، فيجعل موافقته فيما يقول نوعا من إظهار المودة له والتقرب إليه، وهكذا نتأكد بأن (الخرْفنة) سلوك قديم بدأ منذ قال امرؤ القيس:أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟!ومن أشهر القصص في سوء الفهم، قصة واضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، حيث دخل عليه ابنه وهو يقطع الأبيات الشعرية، ويزنها بحركات غريبة، فأذهله منظر والده وخرج من عنده مسرعا يصيح بالناس ليدركوا أباه.
ولما عاد الابن ومعه بعض الأشخاص، ودخل معهم إلى أبيه بادر الخليل ابنه قائلا:لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أعلم ما تقول عذلتكالكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا!