تواجه شركة بريطانية اتهامات قضائية بتحقيق أرباح مادية كبيرة بطريقة غير مشروعة عن طريق المشاركة في برنامج مالطي يهدف إلى بيع جوازات الاتحاد الأوروبي للأثرياء الذين من بينهم أحد أبطال سباق الفورمولا 1، وملياردير صيني
وحققت شركة (هينلي وشركاه) وهي شركة خاصة تم تسجيلها في جيرسي وتخصصت في تقديم خدمات “حلول المواطنة” أرباحا بلغت 49 مليون جنيه إسترليني عبر دورها الذي اقتصر على كونها المصمم والمتعاقد الرئيسي للبرنامج، ومن ثم تمكنت من بيع الجوازات الأوروبية بسعر يفوق المليون جنيه إسترليني للجواز الواحد
وقد واجه البرنامج الذي من المقرر أن يبدأ خلال الشهر الجاري بمنح حامل الجواز الأوروبي الحق في البقاء في أي دولة من دول الاتحاد بما فيها بريطانيا، انتقادات عنيفة داخل وخارج جزيرة مالطا
ويقول وزير الهجرة في حكومة الظل ديفيد هانسون إن لديه مخاوف عميقة من البرنامج لأنه يمنح حامله حق العيش في أي دولة أوروبية، رغم أن هذا الحق كان مثار شكوك إلى وقت قريب حتى بالنسبة للأوروبيين أنفسهم
وبدورها، وجهت مفوضة العدل في الاتحاد الأوروبي فيفيان ريدينغ انتقادات للبرنامج، قائلة “المواطنة هي حق لا ينبغي أن يعرض للبيع”
ورغم كل تلك الانتقادات، إلا أن الحكومة المالطية قررت المضي قدما في برنامجها المثير للجدل، حيث تخطط لبيع حوالي 1800 جواز بهدف إنشاء صندوق استثماري رأسماله أكثر من مليار دولار لمساعدة الجزيرة التي تعاني من تفاقم الديون، حيث تخطط لجذب رجال الأعمال الأثرياء حول العالم
ويشير الرئيس التنفيذي لشركة هينلي وشركاه، الكندي إيريك ميجور إلى أن الشركة تلقت المئات من الطلبات التي ترغب في مزيد من المعلومات، ويوضح أن أصحاب هذه الطلبات شريحة متباينة ومن بينهم أحد أبطال سباقات الفورمولا 1، وأحد مغنيي البوب، وبعض لاعبي كرة القدم الأمريكية، وملياردير صيني قام بزيارة الجزيرة خلال الشهر الماضي
ومع أن العديد من الدول الأوروبية مثل بريطانيا والنمسا تقدمان تسهيلات في الحصول على الإقامة لرجال الأعمال الأثرياء، في إجراء يهدف بالأساس إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن ما أقدمت عليه مالطا يعتبر مختلفا، حيث تعرض الحصول على الجواز الأوروبي في غضون أشهر قليلة، دون أن تشترط الكثير من المستندات على الراغبين في الجواز ليصبح من سكان الاتحاد الأوروبي
وفي مسعى لتهدئة المخاوف التي عبر عنها الاتحاد الأوروبي من مقره في بروكسل، أشارت الحكومة المالطية إلى أنها تشترط على الراغبين في حمل الجواز الأوروبي تأجير أو شراء عقار في الجزيرة لمدة 12 شهرا كشرط أساسي لمنحهم الجواز
ووصف خبراء صناعيون شروط البرنامج الذي يتيح أيضا لحامل الجواز الحق في التنقل بدون تأشيرة في 69 دولة حول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية بأنه “تغيير في قواعد اللعبة”
كما قال استشاري في شؤون المواطنة، إن توجه الحكومة المالطية سوف يسبب العديد من المشكلات للدول الأوروبية
وتركزت الانتقادات على الدور الذي من المقرر أن تلعبه الشركة البريطانية “هينلي وشركاه”، التي ستكون إحدى مجموعة شركات تتولى تسويق البرنامج حول العالم، إلا أنها ستتولى في ذات الوقت مسؤولية اختيار مالكي الجوازات الجدد، والتعهد بأن العملاء المحترمين فقط هم الذين سيمنحون الجواز
وأقر أحد مسؤولي البرلمان المالطي لصحيفة الإندبندنت البريطانية بوجود خلافات داخل الحكومة، رغم تأكيدات شركة “هينلي وشركاه” أنها قد اتخذت كافة الإجراءات التي تضمن عدم وجود أي تجاوزات في ما يتعلق بعملية بيع الجوازات الأوروبية
حيث يتم تمرير الوثائق الخاصة بالعملاء إلى إدارة حكومية تم إنشاؤها حديثا باسم “الهوية المالطية” التي لها الحق في تحديد ما إذا كان يتوجب منح الجواز للمتقدم، أو طلب المزيد من الوثائق والمستندات
وفي حال رفض الطلب، فإن “هينلي وشركاه” التي لها 10 سنوات في التعامل مع الحكومة لن تحصل على العمولة
وينص العقد الذي أبرمته الشركة مع الحكومة المالطية على تلقيها عمولة مقدارها 4  % من قيمة الاستثمار الذي يحدثه العميل الذي قامت بجلبه
ومن الشروط التي فرضتها الحكومة على طالبي الجواز من غير الأوروبيين دفع مبلغ 650 ألف يورو إلى صندوق التنمية الاقتصادية الجديد، إضافة إلى استثمار 150 ألفا في السندات الحكومية
على أن يتعهد صاحب الطلب باستثمار 350 ألفا أخرى في مجال العقار لمدة 5 سنوات على الأقل
إضافة إلى دفع رسوم أخرى مقدارها 25 ألفا عن أي من أطفاله الصغار، و50 ألفا عن كل ولد بالغ
وإضافة إلى استلامها نسبة 4  %، سوف تحصل الشركة على مبلغ 70 ألفا عن كل طلب، إضافة إلى مبلغ يتراوح بين 10 و15 ألفا عن كل تابع لصاحب الطلب
وأشارت تقديرات مبدئية إلى أن الأرقام السابقة تعني أن الشركة ستتمكن من جمع مبالغ تصل إلى أكثر من 50 مليون جنيه إسترليني، لأنها ستبيع حوالي 10  % من عدد الجوازات المزمع بيعها والبالغة 1800 جواز، إضافة إلى عمولاتها
كما أنها قد تحقق مبالغ تصل إلى أضعاف المبلغ المتوقع إذا قامت ببيع كميات أكبر من الجوازات
من جانبه يؤكد المتحدث باسم لجنة الشؤون الداخلية بالحزب الوطني المعارض جاسون أزوباردي أنه سيعمل على إبطال كافة الجوازات التي تصدر بموجب هذا البرنامج إذا أعيد انتخابه، ويقول “لا توجد دولة أخرى على وجه الأرض يمكن أن تجرد نفسها من أمورها السيادية عبر إسناد أمور تخص المواطنة إلى شركة تجارية كما فعلت مالطا”
وأضاف “ببساطة فإن الأموال الطائلة التي ستحققها هذه الشركة بسبب بيعها جوازات بلادي هي أموال قذرة
هناك خلاف واضح في المصالح
الشركة التي قامت بتصميم البرنامج هي نفسها التي ستتولى تدقيق البيانات”
وقد دافعت شركة “هينلي وشركاه” التي سبق لها تنظيم برنامج مشابه باسم برنامج المواطنة بالاستثمار لدولتي سانت كيتس ونيفيس الكاريبيتين وحاليا لجزيرة مالطا عن برنامجها، قائلة إنها ستطبق معايير عالمية عالية الجودة على كل طلب يتم تقديمه، وسيتم ضمان أن الاستثمار المستهدف في الجزيرة سيكون لفترات طويلة الأجل
كما نفى مدير الشركة هيو مورشيد أن يكون هدفهم الأعلى هو تحقيق الأرباح فقط، وقال “نحن نتحدث عن ملايين الجنيهات التي سيتم استثمارها مقدما، وسنوات من الخبرة وخبراء على مستوى عال
ونحن نتحمل مقدارا كبيرا من المخاطرة مع بدء الحوار السياسي حول البرنامج
ومع أننا نعمل لصالح دول عديدة، إلا أننا في الآخر يجب أن نحافظ على وضعنا كمؤسسة ربحية”
وأضاف أن نظام الحوائط الصينية الذي تتبعه الشركة سبق تجربته في العديد من البنوك العالمية التي تتعامل في مجالات الاستثمار البنكي والصيرفة، وأثبت جدواه، وتساءل “هذا النظام تمت تجربته ونجح، فلماذا سيكون الأمر مختلفا عندما نقوم به نحن؟”
وفي محاولة لتهدئة المخاوف، وضعت السلطات المالطية تفاصيل المستويات الأربعة من التدقيق الذي ستقوم به، ومنها استخدام المتعاقدين الأمنيين المتخصصين مثل شركة كرول ومقرها الولايات المتحدة، وكذلك شركة جي بي دبليو البريطانية، لتحقيق بيانات المتقدمين لطلب الجواز الأوروبي
وتقوم مثل هذه الشركات بتوظيف محققي الشرطة السابقين وضباط الاستخبارات والخبراء الماليين للتدقيق في خلفيات الأفراد
كما ستقوم أجهزة الدولة الخاصة بإجراء تحقيقات مماثلة عبر مؤسسات الشرطة العالمية مثل يوروبول أو الإنتربول
فمن المتوقع أن يحاول بعض المطلوبين أمنيا الحصول على الجواز الأوروبي
كما يعتقد بأن بعض أصحاب الأموال القادمين من دول تشهد نزاعات وعدم استقرار مثل ليبيا أو سوريا قد يحاولون الحصول بدورهم على الجواز الأوروبي
ودفع تنامي المخاوف المتزايدة من المشروع المالطي المفوضية الأوروبية إلى عقد محادثات مع سلطات فاليتا، في محاولة لإيقاف البرنامج أو على الأقل وضع شروط متشددة
وقال وزير الهجرة في حكومة الظل المالطية ديفيد هانسون “أطالب وزارة الداخلية بتوضيح حقيقة البرنامج الذي يتيح للبعض القدرة للحصول على تأشيرة دخول لدول الاتحاد الأوروبي من الباب الخلفي
في الوقت الراهن يبدو أنه إذا كنت قادرا على دفع المال، يمكنك الحصول على جواز سفر”
ومما يثير الاستغراب أن مالطة التي تبنت هذا البرنامج تعرضت مؤخرا لانتقادات عنيفة من قبل العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية بسبب معاملتها السيئة للاجئين الذين يطرقون أبواب شواطئها
وخلال العام الماضي فرضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان غرامة عليها بسبب قيام سلطاتها الأمنية باعتقال المهاجرين الذين تأتي أغلبيتهم من دول شمال أفريقيا، حيث يتم عادة الاحتفاظ بهؤلاء في أماكن احتجاز مكتظة، ويتعرضون إلى معاملة وصفتها المحكمة بأنها “غير إنسانية”