الحدائق العامة ظاهرة حضارية اجتماعية معمارية، ولك أن تزيد في سرد وصفي لها بمعايير عالمية أو دولية أو وطنية، وتتزايد أهميتها في أنها تعكس أخلاقيات ومبادئ وقيم شعبها.
الأمر الذي يجعلها محكا لفحص تلك الأخلاقيات أو بؤرة إصلاح لتلك القيم.
تتعاظم هذه الأهمية بالمكان الذي اختيرت فيه والبيئة التي تتوسع فيها، أو تنكمش، أو يوأد جمالها من قبل مستثمر لا يمتلك من القدرات الفنية والحس الجمالي البيئي ذرة، فيجعلها ذكرى يتجدد ألم فقدها كلما مررت بألعابها التقليدية التي عفا عليها الدهر أو مسطحاتها الخضراء الاصطناعية البالية.
لذا تعد الحدائق العامة مظهرا حضاريا تنمويا لا سيما في مدينة تتمتع بجو عليل وطبيعة مميزة وتاريخ وطني مشرف.
الطائف عروس المصايف واجهة بيئية بدأت تشهد ملامح نهضة حضارية لا بأس بها، وإن استمرت على هذا المستوى وياحبذا بدرجة أسرع ستستعيد مجد مصيف المملكة ببساتين العقيق والمثناة والردف ومرتفعات الهدا والشفا.
تتميز الحديقة بموقعها الجغرافي، فهي في أرقى مناطق الطائف «أم العراد»، وعلى جوانب حي الردف الفاخر بقصوره وفلله الجميلة، وموقعها الاستراتيجي حيث تحيط بها مساحات طبيعية خلابة وبيئة متفردة بتشكيلاتها الصخيرية وخدمات وطنية تعليمية وبيئية.
تعد الحديقة بمعالمها الداخلية المتنوعة منحة حكومية كريمة، وإضاءة تعليمية تربوية هادفة، ولمسة معمارية مميزة، وحراكا رياضيا عمليا.
أضف إلى ذلك الملامح الجمالية والفنية التي تتناغم مع هواء الطائف العليل وهتانه الخفيف حتى مطره برحمة الله لطيف يجلو الأرض وينقي الهواء.
من تلك المعالم: مركز البيئة والإنسان والذي فيما قرأت يتولى سبل «تثقيف المرتادين للمحافظة على الطبيعة المحلية، والاستفادة المثلى منها في إنتاج الطاقة الصديقة للبيئة».
فالزائر يشعر بالحس البيئي عبر المسطحات الخضراء والشتلات المتفردة في النوع والشكل.
هنا تتمنى لو أن العين تتمتع برؤيتها قبل الأيدي والأرجل.
مما زاد جمال تلك المسطحات أن أجزاء منها تم رصفها بحجارة بيضاء يُخشى عليها من أقدام المستهترين فتنثرها هنا وهناك.
ومما يوقظ الحس البيئي في الحديقة انتشار حاويات للنفايات المتعددة الأنواع التي لطالما حلمنا بوجودها.
كل هذا الحس البيئي جعلني أترجل لأقول لتكن جميع مباني الحديقة المجهولة الهوية مرافق تعليمية وتربوية تحتوي مقرا لورش العمل ومتحفا بيئيا وقاعة تقنية وصوتية ومكتبة ورقية ورقمية.
بل وأناشد أن ما خُصص للمطاعم والمقاهي يلغي ما في سلال عوائل الزوار، وما نثر قبل دخول الحديقة من أكشاك وتجمعات بشرية للبيع كفيلة بتعبئة بُطُون صغارنا وكبارنا، ويفي لما تحتاجه العقول في هذه الأجواء الماتعة التي تجعلها نشطة لأن تستقبل المعلومة وتدركها لا بل وتطبقها.
ما نطمح إليه كرواد تربية وتعليم ومدركين للحس البيئي ومنفذين للكثير من أنشطته وبرامجه هو أن تحوّل جميع تلك المباني إلى صالات متعددة الأغراض تخدم التعلم الذاتي للصغار والكبار الشبيه بمركز ساتيك في المنطقة الشرقية، ومراكز العلوم والفضاء كالقباب الفلكية، وأكوريم المناطق الجبلية كالتي في جدة بما يحقق فعلا الحس البيئي، ويدعو حقا للتنمية المستدامة.
لتتحول الحديقة بالفعل إلى معلم بيئي وتثقيفي وتوعوي بارز في وطننا الغالي.
لا بل ويُقترح له برامج ومشاريع وفعاليات بيئية على مدار العام يُخطط لها بمشاركة التعليم العام والعالي يشارك فيها الطلبة والأكاديميون والمعلمون وأولياء الأمور وأمانة الطائف والهيئات المعنية بحماية البيئة، ويصمم لها موقع الكتروني يعلن عن تلك الفعاليات ويحدث بصفة يومية.
هي أمنيات وطنية في سبيل الحصول على ثروة بيئية اجتماعية توعوية نحو تطور الفرد الطائفي تحديدا، لتكون بالفعل الطائف المدينة الصحية بيئيا وتوعويا وسلوكيا.
فالحديقة جوهرة ثمينة في أيد أمينة تحقق معايير عالية لمؤشر أداء مميز في التوعية البيئية وإيقاظ الحس البيئي وتحقق أهداف التنمية المستدامة.
شكرا وطني.. حديقة الردف وحلم الحس البيئي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
