يزرع بذرة الإشاعة شخص واحد، أو عدة أشخاص، أو جهة معينة تسعى للاستفادة من ثمرها، مهما كان حصرما.
وتلك مجرد البذرة، التي قد يكون غارسها يقصدها بعد دراسة وترصد، وقد يكون مجرد عابث لا يقصد من خلفها إلا الدعابة أو نوعا من الخيال المجتمعي.
والتربة والبيئة المحيطة هنا ذات أهمية قصوى في احتضان البذرة، وتغذيتها، وتهيئة كامل الظروف المناسبة للنمو والإثمار، ولو أنه قد يحدث أن يكون من تلقفها منه هو من فهمها بشكل مغلوط أدى إلى نموها وتبرعمها بهذا الشكل.
الإشاعة بذرة كذبة، وهي إن غرست في محيط خصب، بأن يكون المجتمع المتلقي لها متعطش لمثل هذه الإشاعة، فإنها لا تلبث أن تنمو بسرعة هائلة، وتزهر، وتثمر، عكس وجودها في تربة واعية، لا تتقبلها، ولا ترعاها، وما أسرع أن تموت عطشا في حفرتها.
بذرة الإشاعة، أثمرت، وربما تصبح أيكة عظيمة، يتأثر بظلها، وعمق جذورها مسار التاريخ لمنطقة معينة ولمجتمع معين.
الأسطورة كانت في يوم من الأيام عبارة عن كذبة بدأت بسيطة وربما غير مقصودة، ولكنها لم تجد من يتمكن من تجميدها وحل غموضها، والبحث في إمكانية وجودها من عدمه، ما أدى إلى أن انتقلت بسرعة بين الألسن، والآذان، فبالطبع لم يكن في تلك العصور العتيقة قدرة على التدوين، ولا التصوير، فأصبح كل متلق للإشاعة يطلق عنان خياله ليزيد عليها من الرتوش، والتفاصيل ما يثبت معالمها، ويجعلها تصبح حكاية للشعوب، على شكل أسطورة.
هذا ما كان يحدث في العصور الغابرة، بحيث سمعنا من الأساطير الكثير من العجب، والمفتق للعقول، بمردة من الجن، ومصابيح، وسحر، وبساط ريح، وقدرات خارقة، وبشر يتحولون إلى جن، وجن يصبغون حياة البشر بالخوف أو الجمال، أو الشرور، ولكل شعب تراثه، من الحكايات الأسطورية، ولكل شعب طرقه في حفظها وتأصيلها، وزيادة عمرها، والحرص على تجديد شبابها ومصداقيتها المستهدفة.
الجو العام في وقتنا هذا لم يعد مناسبا لنشوء الأسطورة، فالعلوم تقدمت، ووسائل البحث أصبحت أكثر دقة بإمكانية قطع شجرة الشائعة، في مكان جذري قريب، وبسرعة هائلة، لا تسمح لأغصانها بالنمو، ولا لثمارها أن تنتشر بين الأيدي والأفواه.
في عالم التقنية الحديثة، أصبحت الشائعة محاصرة من كل الجوانب، ولم تعد تتمكن من العيش لفترات طويلة، فبمجرد سماع الشخص بها، أو رؤيته لصورها، يجعله يقوم بالبحث عن أساس الشائعة، ويتمكن من ذلك، خلال دقائق يقضيها أمام محركات البحث العملاقة المدهشة، والتي لا تبقي ولا تذر، بتمكين الباحث من التحقق من الزيف، واستقاء المعلومة الحقيقية من مصدرها الموثوق بدلا من طول الحيرة، والبحث بين عقول أفراد مجتمع سمعي يميل لسحر وجمال ومشاعر الإشاعة، التي تمسه من الداخل، وتدخله في طموحات معينة، أو تهز استقراره وأمن محيطه ومجتمعه، وتزيد الظروف المحيطة به، خوفا، وضبابية، تتماشى مع الظروف العصيبة، التي يحياها.
مصداقية الحكومات أصبحت أمرا مهما في القضاء على الشائعة بصورة جذرية، وفي تمكين التلاحم بين الشعب والقيادة، وتأخر قنوات الإعلام في التدخل لإثبات أو نفي الشائعة، يدل على تدني مستوى الحرية الفكرية في البلد.