أزمة ليست كسائر الأزمات، فلم تكن طارئة ولا جديدة على هذا اليمن غير السعيد، والمعذب أهله، منذ عقود من الزمان، وقد لا تعتبر عمليتا الحزم، وإعادة البناء إلا حلقة آنية من سلسلة استمرت بالفقر والجهل والمرض، والدمار والحيرة، والعراك المذهبي والقبلي المحتدم، وبجعل قيمة الإنسان مرتبطة بكم وكيف ما يحمله من سلاح.
مراحل من عدم استغلال موارد البلد، وتهجير الشباب المتطلع للقمة العيش والأمان إلى مختلف أنحاء المعمورة، بتعاقب سلطات ظلامية جائرة، بداية من عصر المملكة المتوكلية وحروبها مع عدن، ومرورا بحرب اليمن، والثورة، ونشوء الجمهورية اليمنية، ووصولها إلى الوحدة مع عدن، وسيطرة علي عبدالله صالح عليها لأكثر من ثلاثة قرون، ثم عودته بعد الخلع في محاولات سلطوية دائبة دموية للسيطرة على الوطن اليمني، والاستمرار في سلب جميع خيراته، وذبح الشعب من الوريد إلى الوريد.
إذن فالأزمة اليمانية ليست حالية، وليست عسكرية فقط، ولكنها هذه المرة مقرونة بتمرد حوثي أرعن، وتدخل إيراني خبيث من كل النوافذ الفكرية والتواجدية والاجتماعية؛ وحتى لو تمكنت عاصفة الحزم، وعملية إعادة الأمل من تعديل بعض ما هو موجود على أرض الواقع من واقع أليم، إلا أن الأساس يظل مختلا، ويحتاج لبدايات قوية مخلصة من معشر القبائل، التي ينحشر كل منها في جحر فكري يضيق ويرفض الآخرين، ويتقوقع في حياة شقاء وحذر وحقد ليصبح السلاح وسيلتهم المثلى للبقاء، والعنف طريقتهم للتفاهم، وخطف الأجانب وسيلة للضغط على الحكومة إن وجدت، وللمناورة والمقايضة مع القبائل الأخرى إن ضاقت الدروب.
فقر مدقع وجهل، رغم أن ما كان ينهال عليهم من أموال دول الخليج في العقود الماضية يكفي لتأسيس وبناء الإنسان، وتكوين نهضة ومدنية، ونشر الوعي والتعليم، وتأكيد صحة الإنسان الجسدية والنفسية.
ويأتي من يتكلم عن القات، وكيف أنه استشرى بين الشعب اليماني مؤخرا لدرجة قميئة تشعر من خلالها بأنك تعود لعصور الكهوف؛ وقد يبرر ذلك بما مر به هذا البلد من نكبات، وأزمات، ومن حيرة، وإحباط، ومن مقارعات عصيبة عصبية بين القبائل، والحكومة بأمل خطف بعض الحقوق.
المخلوع، عرف كيف يدير كآبتهم بجلسات القات، والفلسفة المغلوطة، وبأحلام الشرعية، والديمقراطية، والحرية في الحديث لدرجة السفاهة، وخلق العداء وتأكيده بين المذاهب والطوائف، واحتضان لقاعدة الإرهاب؛ فيشعرك البلد بتناقض عظيم بين ما يقال في جلسات مجلس الشعب، وبين ما يظهر واضحا للعيان على أرض الواقع المنكوب المتخلف.
المخلوع كان سببا قويا في تدخلات دولية خارجية متناحرة تسعى لتحريك الشارع اليمني في كل الاتجاهات، والسيطرة عليه، وكان هو من يقبض ويهنأ، ويسعد، ولا يترك للشعب حتى الحصرم.
الحل العسكري الحالي رغم آلامه، كان نتيجة تفكير وتدبير من قيادات دول الحلف؛ ولكن الحلف لن يتمكن بمفرده من إصلاح ما أفسده الدهر؛ والواقع أمر وأقوى وأعمق، وأكثر تعقيدا من مجرد حرب على الطغيان.
الحروب والثورات والقلاقل من وجهة نظر منطقية ستستمر فيهم، والعزلة القبلية ستتضاعف، والإرهاب سيدوم، والتخلف من جل جوانبه الاجتماعية والسياسية سيتفاقم، حتى لا تقوم لليمن قائمة، وإن قامت فيا لسرعة ما سنرى لها عودة للانتكاس السببي المنطقي.
shaher.
a@makkahnp.
com