تطالعنا الحياة بالعديد من المشاهد المرئية لبدائية الكائن البشري على كوكب الأرض، فتتجلى له منذ الوهلة الأولى لوجوده أن الحاجة أم الاختراع، وكان ذلك هو الباعث والمحرك الأساسي لصناعة وسائل مساعدة تمنحه القوة على البقاء وذلك مما أفاء الله عليه من التفكر والتدبر وإعمال العقل للوصول إلى نتائج تسير به من إنجاز إلى آخر وذلك بما لديه من مهارات ومعطيات منبثقة عن ماهيته الإنسانية وطبيعته البشرية، وقـد نظمـت قصيـدة بعنوان «تراتيـل الحيـاة» أوضـح في معرض جلوتها أن العنصر البشـري حينما أحس بالاحتياج لمساعدة الأشياء من حوله كان ذلك ملهمه للخروج من رحم البدائية إلى عالم رحب من المعرفـة والتعلّم وسبـق التعلم، والتأمل ليكون له دافعا واقعيا من خـلال تجربة حقيقية لخلق ما يحتاجه في يومياته المعيشية وهو سائر في رحلته الممتعة المليئة بالمغامرات، نجاحات كانت أو إخفاقات على ظهر هذا الكوكب، وأول ما دفعه للعمل كما جاء في التراتيل الجوع وأنّات ذلك الجوع ومن حينها تحركت يداه لتزرع سنبلة الغلال ليستخلص منها الحنطة التي يسد بها الرمق وبعدها أراد بشعور فطري أن يصنع لنفسه لباسا يواري عورته حيث إنه لم يسترح إلى هيئته العارية، ففكر وتدبر وعمل وصنع له لباسا من ورق الأشجار وهذه طبيعة إنسانية تنبثق من الباعث الفطري لدى الكائن البشري، ومن ثم يواتيه البرد القارس فيحركه ذلك إلى صنع مدفئة له من الحطب وفروع الأشجار ثم يصنع لنفسه بيتا من الخشب وهو في هذه المسيرة لا ينفك عن مطالعة الطبيعة الخلّابة التي تؤنسه في وحدته وتساعده على تحقيق بغيته لينطلق الإنسان في رحابها عاملا متدبرا ومدخرا أيضا للشدائد من الرخاء ومن الأيام السمان إلى الأيام العجاف ومن ثم يأتي تقدمه الهائل بصناعة الفلك التي تسبح فوق يم هائل، وهو بذلك كله يسير في معية القدر الرحيم تسمو به الفضائل لترقى به المنازل وعنده شعور قوي بأنه قد خُلق لأمر جلل ولشأن عظيم وقد حباه الله بمكرمات وعطايا وكثير من النعم والمزايا ما لم يأت أحدا غيره من المخلوقات، بل إن الله قد سخّر له الأشياء والأحياء من حوله لتكون له معينا على إرساء المثل القويمة والأخلاق العظيمة ليعم السلام الكوني روحا وجسدا وفي ربوع واقعنا الإنساني المديد،
وها هو نص القصيدة:
وتراءت الحاجات حتى تلهمه...عقلا يسرّج في ضحاه وقبّله
من ومضة الفجر الوليد قد ابتدى... خيرٌ تبدّى بالنهوض وحمّله
فتعلم الأشياء بالعقل الذي... كان الغموض تلاحميا يشْمله
تترا له في كل يوم صفحةٌ... من ذلك الكون الفسيح تأمله
ويطوف بالأركان خاطر فكْرهِ... لا زال يبحث عن عظيم يعمله
يرنو إلى هام العلو بروحه... حتى يحلّق في سماء تبتّله
أوحى إليه الجوع من أنّاته... بتواثب ليديه تزرع سنبله
من تلكم الأوراق يغزل مئزرا... والطير يشدو للحياة تسربله
ويحتّم البرد احتطابا غاديا... بالدفء يُحيي للنديم تواصله
والفطرة العصماء ترفل سترها... بخيوط نورٍ في الربوع تجمّله
من كوخه الخشبي يبحر باعثا... عين التفكّر للعيان تؤصّله
ما أجمل الصبح الذي دحر الدجى... والظل أضحى بالحراك يزامله
فأتى على أرض السكون بنهضة... ورقاء تورف للدُنا ما تأمله
في كل دربٍ للعطاء حكايةٌ... وإلى عسير قد أتاه وذلّلـه
جاز الصعاب وقد توشّح قوةً... نحو الصعود لكل هامٍ يوصله
واخضرت الأرض بساعده الذي... جعل النضال لكل شيء منهله
وتفجّر النبع الثري روافدا... وعلى حياض الواردين تمثّله
واذخر للسبع العجاف سنابلا... حتى تقيه من الشرى والمسأله
بالروح والعمل الدؤوب قد ارتقى... بين الخلائق والشموخ تقوّله
كم دوّن العقل الأريب مناقبا... عن كل رهطٍ واستفاض الأمثلة
والفلك يعلو فوق يم هائل... يزهو على الألواح نقش أوله
للفكر في درب الصواب نبوءةٌ... تفضي إلى المكنون نبلا بدّله
ليصير بعثا للورى بطموحه... وإلى أماني سامقات حوّله
وعلى جبين العالمين قد اعتلى... صرحا توسّد في رؤاه وأذهله
من قلبه تسمو الفضائل ثرةً... وقْدا يحرك في نفوسٍ مُهمله
فهو الذي حمل الأمانة تالدا... عبدا يؤوب لمن حباه وفضّله

