«أنت نفسك، ككل إنسان آخر في هذا العالم، تستحق عطفك وشفقتك
أنت بحاجة ماسة وعاجلة للتحالف مع نفسك» (غوتاما ساكياموني)
كيف ينبغي أن نتعامل مع ذواتنا؟ كيف ينبغي أن نتعامل مع الآخرين؟ كيف ينبغي أن نتعامل مع الطبيعة ومواردها من حولنا؟ هذه الأسئلة الثلاثة ما هي في الحقيقة إلا سؤال واحد، وهو أهم سؤال يمكن أن يطرحه الفرد على نفسه ما دام حيا وواعيا: هل أريد أن أكون حليفا صديقا أم سيدا متحكما في الذات والآخرين والطبيعة؟والإجابة التي يصل إليها المرء عن هذا السؤال الأساسي تحدد نصيبه في حياته كلها، وترسم له مسار علاقاته بنفسه وبكل ما حوله
ولأن السؤال والإجابة في غاية الأهمية، يبدو من المذهل أن الكثيرين منا لا يهتمون بتأملهما، ولا يخصصون جزءا من مداركهم العقلية للانشغال بتحديد موقف واضح منهما، والقليلون منا يطرحون السؤال ثم لا تواتيهم الشجاعة ولا يمكّنهم النقص في استقلالهم العقلي من الوصول إلى أي إجابة تختلف عما يلقننا إياه المجتمع ووسائل الإعلام ومأثورات الأجداد
وتلك الإجابة السهلة المتداولة هي –في رأيي- جرثومة الفشل والتعاسة التي تنخر في صميم الوجود البشري

فنحن -كما تقول ثقافتنا الإنسانية الراهنة- في حالة صراع لا ينبغي لها أن تتوقف لحظة واحدة منذ الميلاد وحتى الممات، صراع لكي يسيطر الفرد منا على ذاته، وصراع لكي يتسيد الآخرين من حوله، وصراع لكي يقهر الطبيعة ويمتلك مواردها

وهو صراع حياة أو موت في معظم الأحيان، فإن أنت لم تكن (سيد) نفسك، جرتك نفسك هذه للدمار بانغماسها في الشهوات وبالتحلل الأخلاقي

وإن عجزت عن أن تكون (سيد) الآخرين، خسرت الهيبة والثروة والنفوذ، وعرضت نفسك للتدهور الاجتماعي
والحضارة التي تفشل في تحقيق (السيادة) الكاملة على الطبيعة، تحكم على نفسها بالهزيمة والفقر والتراجع المادي المؤدي إلى الاضمحلال التام
أليست هذه هي منظومة الأفكار التي تمثل الأساس العميق لكل تصرفاتنا ومواقفنا كأفراد وجماعات في اللحظة التاريخية الراهنة للحضارة البشرية؟ وأليس من الغريب أن تلك الأفكار التي رافقت الحضارات الإنسانية عموما منذ ما قبل التاريخ، قد أدت إلى الحروب والويلات والشقاء الشامل للبشر، ورغم ذلك فنحن ما نزال نتشبث بها تشبثنا بالحياة نفسها؟ ما سر تشبثنا المستميت هذا بأفكار ثبت فشلها، وتأكد أنها لا تصنع السعادة أبدا ولم يسبق لها أن صنعت السعادة قط؟! وظني أن الخوف هو الذي يدفع البشر -أفرادا وجماعات- لتبني ذلك النموذج الفكري المدمر بما فيه من السيادة والسيطرة والقهر، الخوف من الذات ومن الآخر ومن الطبيعة! لكن التحرر من السطوة الباطشة لهذا الخوف المزمن المقيم، لا يمكن له أن يتحقق دون أن نقدم للوعي الإنساني الفردي والجماعي نموذجا فكريا بديلا للنموذج القديم التعيس، يحفظ الكرامة والمصلحة، دون صراع ولا سعي للقهر والسيادة
على أن يكون هذا النموذج صالحا لتطبيقه في الوجوه الثلاثة للأزمة الوجودية الإنسانية؛ العلاقة بالذات وبالآخرين وبالطبيعة
وسيقتصر حديثي هنا عن الطرف الأول من الأزمة المثلثة الأوجه، المتعلق بعلاقة الفرد بذاته، والنموذج الفكري الشافي الذي أطرحه باختصار في هذا المقال القصير –وقد تتاح لي فرصة التوسع في عرضه لاحقا- هو نموذج التحالف مع الذات بديلا عن نموذج الصراع
التحالف مع الذات بديلا عن الصراع معها: ما الذي أريده من ذاتي؟ ولماذا تخونني ذاتي أحيانا فتفعل ما لا أريده؟ وكيف أستطيع ردها إلى ما أراه أنا جادة الصواب؟ والإجابات التقليدية عن تلك الأسئلة هي عين الكارثة التي يحياها معظمنا؛ فما أريده من ذاتي هو الانصياع لي انصياعا كاملا غير مشروط ودون اعتراض ولا حوار! وذاتي تخذلني –أحيانا أو غالبا- لأنني لم أُحكم السيطرة عليها، ولم أقهر نوازعها وشهواتها بما يكفي من قوة
ورد الذات إلى الطريق المستقيم لا يكون إلا بممارسة المزيد من القمع عليها، وبالتضييق تضييقا أشد على ميولها وانفجاراتها العاطفية

وهكذا يكون الفرد في حالة انقسام دائمة وصراع لا هوادة فيه، ويظل الواحد منا منقبضا متحفزا ميالا للكآبة ومنشغلا بصراعه الداخلي الأليم عن أن يحيا حياته بأي قدر من الاسترخاء والانفتاح
وما من مخرج من تلك الدوامة المرعبة إلا عن طريق إعادة تصميم الموقف العقلي من الذات
-الذات ليست خصما ولا منافسا، ذاتك هي أنت، والانقسام الثنائي بين عقل نبيل وسام يفكر وذات منحطة غريزية لا تكف عن الاشتهاء هو محض وهم غرسته فينا طريقة تفكيرنا لا أكثر
-لا تكف لحظة عن الحوار مع ذاتك، فالمجانين والمرضى نفسيا ليسوا هؤلاء الذين يحادثون أنفسهم، بالعكس، المرض النفسي هو ألا تحاور نفسك أبدا! -ينبغي أن يتأسس الحلف بين الفرد وذاته على المصلحة المشتركة، فأنت لا تستطيع كبح كل رغباتها المشروعة وغير المشروعة، فهذا الكبح الكامل لا يتحقق إلا بالموت! -المساومة مع الذات ليست عيبا على الإطلاق، بل هي عين الفضيلة؛ الذات تشتهي التدخين، ذكرها بأنها تشتهي الصحة أكثر، الذات تشتهي الكذب، ذكرها بأنها تشتهي حسن السمعة أكثر، الذات تشتهي النوم، ذكرها أنها تشتهي النجاح أكثر
-إن أنت قمعت ذاتك وأنت متمالك لوعيك، فستنتقم منك في أحلامك، وحين تضعف إرادتك أثناء فترات الضغط العصبي، أو المرض

لذا لا تقمعها أبدا، بل تفاوض معها دائما
-أسس لنفسك مشروعا واسع النطاق واجعل فيه أهدافا مرحلية، وتبن تحقيقه بحماس وإصرار، وسترى أن ذاتك قد عدلت اتجاه إبحارها ليتفق مع الخريطة التي أشركتها في رسمها
-لا تتباه بقوتك على ضبط ذاتك، بل تباه بقدرتك على إقناع ذاتك بالسير معك في الاتجاه ذاته
-إن أنت نجحت في التحالف مع ذاتك، فما من قوة على الأرض قادرة على هزيمتك

وكيف تُهزم وقد حققت الانتصار الأهم في أي تجربة إنسانية، وصرت كيانا متوحدا متسقا مع ذاته، دون انقسام ولا صراع
آن الأوان كي نجرب أن نكون بشرا لا يتصاعد منا دخان تلك الحرب التعيسة العبثية؛ حرب الفرد ضد ذاته