لا نبالغ إذا وصفنا الصراع الذي يجري على الأرض السورية بأنه يختصر حالة صراع عالمي وإقليمي، فالصراع ليس فقط كسر عظم بين قطبين عالميين وأقطاب إقليمية، إنما لأن مصير هذه المعركة سيقرر الكثير من الأمور على المستوى الإقليمي والدولي.
فبه سيقرر مستقبل المشروع الإيراني، وبه سوف تتضح معالم التدخل الروسي في المنطقة، وبه سوف يحدد مصير «ضعف» الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
لذلك ما يجري في سوريا هو بؤرة اهتمام العالم كله.
وللأسف كل ذلك على حساب «الدم» السوري.
قد يكون السؤال الأبرز في الأسابيع الماضية لماذا الآن التدخل الروسي بهذا الزخم على الأرض السورية؟أعتقد بأن هناك جملة عوامل بعضها مرتبط بسوريا وبعضها مرتبط بأسباب روسية محضة.
التدخل المرتبط بسوريا جاء في سياق وتطور خلال الفترة السابقة، أبرزها تعرض نظام بشار إلى سلسلة نكسات خلال الفترة الأخيرة، وبالتالي قد يتعرض إلى انهيار وبه قد تضيع الفرصة «الأخيرة» لروسيا لتدخل في المنطقة.
السبب الآخر والأهم عند الروس هو التأكيد للعالم بأن نفوذها عبر قدراتها العسكرية بدأ يتمدد ويصل إلى مناطق الصراع التي كانت تتفرد بقراراتها دول «بعينها» على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
السبب الثالث هو أن الروس يريدون الإمساك بالملف «السوري» والتفاوض به لإسقاط عقوبات دولية فرضت عليه بسبب الشأن الأوكراني، وهنا يخدم فكرة إذا أردتم حلا «سياسيا» في سوريا فأهلا بكم عبر بوابة موسكو وليس عن طريق دولة أخرى بما فيها إيران.
وأعتقد بأن هذا التحول مهم وأساسي بعد القلق الروسي «السابق» على أن تكون هناك «صفقة» إيرانية أمريكية في سوريا شبيهة بالاتفاق النووي يخرج الروس من اللعبة تماما.
وفي نفس الوقت «أيضا» لم يكن مريحا عند «الروس» الاتفاق الأمريكي التركي بإنشاء منطقة عازلة آمنة، وهذا قد يضاف للأسباب السابقة التي عجلت التدخل الروسي الأخير الذي فاجأ العالم.
السؤال الآخر هل هناك اتفاق إيراني روسي على كل الملفات أم هناك تقاطعات في بعض الرؤى والمصالح في سوريا؟القراءة العميقة للعلاقة «الإيرانية الروسية» تصفها بالمعقدة، وفي بعض جوانبها هناك تقاطع واضح في المصالح، في ظل وجود تنافس كبير بينهما في التقرب مع النظام السوري، وبالتالي السيطرة على الملف السوري والتفاوض عليه على كل طاولات الدول التي تريد حلا سياسيا.
قدلا يكون هناك خلاف روسي إيراني فيما يخص قتال داعش والقضاء عليه، والتخلص من كل القوى التي تواجه النظام السوري.
لكن الخلاف يكمن في الأدوات، ففي الوقت الذي ترى فيه «موسكو» بأنه يجب الاعتماد والتعامل مع مؤسسات الدولة «الرسمية» عبر الجيش والأجهزة الأمنية وإعادة بناء الدولة.
نجد في المقابل أن الإيرانيين لا يثقون في المؤسسات «الرسمية» لا في سوريا ولا في غيرها، فسياساتها تعتمد على بناء ميليشيات تكون مرتبطة بشكل مباشر بها، تتلقى رواتبها ومساعداتها وأسلحتها من النظام الإيراني بعيدا عن دولهم كما هو الحال مع «الحشد الشعبي» في العراق وحزب الله في لبنان.
من جهة أخرى إيران تفكر في علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بسوريا خلاف الموقف الروسي، بمعنى أن كلاهما يفكر في استخدام الملف السوري بالطريقة التي تخدم مصالحه وبالتالي كلاهما يقدم نفسه باعتبار أنه هو الذي قد يساعد على الحل.
أعتقد أن التدخل الروسي الأخير غير إلى حد ما المشهد وأثر كثيرا على الإدارة الإيرانية المتفردة في سوريا، وقد بدأ دورها في تحجيم الدور الإيراني واضحا أمام المجتمع الدولي.
الجميع اليوم بدأ يلتفت إلى موسكو وترتيب لقاءات معها لفهم طبيعة ونوايا تدخلها مع إمكانية التفاوض معها.
بقي أن نسأل ما هي طبيعة الخلاف العربي العربي بشأن التدخل الروسي الأخير، ربما أشير إليه في مقالي القادم لأنه مهم وهو انقسام عربي كبير، ربما يعصف بعلاقات دول «متحالفة» في قضايا أخرى مصيرية.
الخلاف «الروسي الإيراني» في سوريا
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
