يقول شخص ما «الأجهزة تسبب التفكك الأسري، وجعلت علاقات الناس سطحية، وألهت الناس عن عيش حياتهم. وهي السبب في انتشار الفساد والأفكار المسمومة، وتجنيد الإرهاب و.. و.. و.. و «، ثم يقول شخص آخر «الأجهزة تسبب لأطفالكم الرهاب الاجتماعي، وتدمر خلايا المخ، وتجعلهم أغبياء، وتتيح لهم الفرصة للاطلاع على ما لا يناسب أعمارهم و.. و.. و)، وغيرها الكثير من التحذيرات السلبية والتنبيهات المفزعة التي تجعلك تشعر بأن التكنولوجيا هي بلاء مستشر، وأن الناس في الماضي كانوا يعيشون زمن الفضيلة، وأن وجودنا في هذا الزمن بلاء ابتلانا الله به، وأن ما هو قادم كفانا الله وإياكم شره.
إننا إذا ما تكلمنا بصراحة فإننا سنجد أن الجيل السابق انكفأ على التلفزيون والهاتف، بنفس الطريقة التي انكفأ الناس فيها على أجهزتهم الآن. وأن الجيل الذي سبقه انكفأ فيه الرجال على الجلوس في المقاهي والتسامر، والنساء في التجمعات والطرب في بيوت بعضهن. والجيل الذي قبله انشغل بالحروب وغياب الشهور في الأسفار ومشاق التنقل وضنك الحياة. وهكذا حتى ندرك أن لكل جيل طريقته في الانغماس في شيء ما. وبالنسبة للمفاسد والانحراف، فإننا إن كنا الآن نخاف من دخولها لنا الكترونيا، فإنه فيما مضى كانت جميع أنواع الانحرافات تمارس فعليا، بسبب طبيعة الحياة البسيطة، وثقة الناس المبالغة في بعضهم.
أؤمن أن لكل زمن متغيراته التي تتلاءم معه والمتماشية في علاقة طردية مع التطور البشري والحضاري. وأؤمن أيضا أن ما جبلنا ونشأنا عليه ليس هو ما يجب أن يجبل وينشأ عليه أبناؤنا. سواء فيما يتعلق بكيفية تعاملهم مع التاريخ، وتعاطيهم مع الحاضر، واستعدادهم للمستقبل. فكثير من الأفكار والمعتقدات التي نشأنا عليها ما كان منها إلا أن علمتنا الجبن، والاكتفاء، والتكرار، حتى صدقنا أننا مجرد متلقين، تابعين نعيش في ذيل الحضارة. وتركنا خلق الواقع وتشكيل المستقبل لأناس شجعان، لا يشعرون بالذنب حين يفكرون في الاستباقية، ولا يخافون التغيير وما يمكن أن يجلبه إلى حياتهم. فتصدروا العالم وحكموه سياسيا واقتصاديا وفكريا بسبب جرأتهم على الابتكار. بينما نعيش نحن الفصام بأن نستخدم ما يصنعونه وننتقده في نفس الوقت!
إن من يلوم الأجهزة على أنها سبب مشاكلنا وتفككنا وانتشار الفساد وغيرها من نكبات الدهر، فكأنما يلوم البحر، لأن من لا يعرفون السباحة غرقوا فيه، لذا أرجوكم كفوا عن لوم الأجهزة التي صنعت كل هذه الفوارق الإيجابية في حياتنا، ومن ثم الاستمرار في استخدامها والإسراع لشراء الحديث منها حال صدوره. وأنتم أيها الخبراء والباحثون كفوا عن تحذيرنا وتخويفنا من نمط حياة أصبح واقعا، وساعدونا على استثمار هذه الوسائل في حل مشاكلنا وتطوير نوعية حياتنا، فالحقيقة أننا أمام ما نواجهه الآن لا نملك إلا أن نواكب ونستبق لابتكار ما يناسبنا ويطورنا، أن نرهق أنفسنا قليلا ببذل المجهود في التحكم في هوسنا، وتقنين استخداماتنا، واستثمارها فيما يفيد. والأهم هو مواجهة حقيقة مشاكلنا، والعمل على حلها، والكف عن إسقاط إخفاقاتنا على التغيير والتطور.
ما بين التليفون والآي فون
هبة قاضي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
