أيقونة المعرفة ووليدة النهضة الثقافية والعلمية التي شهدها عصر الخلفاء العباسيين، على ما أكده الأستاذ المشارك بقسم علم المعلومات بجامعة أم القرى الدكتور أسامة القلش، وكانت فيما مضى دارا خصبة لا تنفك عن إثراء عقول مرتاديها، ولا تزال حتى اليوم على حد وصف بعض المختصين في مجال علم المكتبات «حارسة العقل البشري».
ومنذ العصور القديمة تم تأسيس المكتبات العامة على هيئة خزانات ومكتبات، داخل القصور والمدارس والمساجد، في ظل حضارتي وادي النيل والرافدين، مرافقة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ومنها لأنحاء العالم.
مما ساهم في ازدهار المكتبات العامة وفقا لما نوه إليه أستاذ علم المكتبات والمعلومات الدكتور مجبل المالكي في دراسة له عن تاريخ المكتبات العامة، التطورات الحاصلة في الطباعة وصناعة النشر والتغيرات المستمرة في التربية والتعليم والمبادئ التشاركية بين المشرفين عن المكتبات والقائمين على توفير الخدمات التي يحتاجها المستفيدون، إلى جانب النظرة الديمقراطية للإنسان وإغناء فكر الأجيال، ناهيك عن اشتعال حركة التأليف والترجمة والتدوين في عهد الخلفاء، حيث اشتهرت الأخيرة بتدوين الأحاديث والسيرة النبوية، ثم اتجهت إلى تدوين التراث العربي الإسلامي.

مؤسسات اجتماعية وثقافية

كانت المكتبات العامة من أهم المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي يفخر بها الإسلام، كما أنها تعد المقياس الحقيقي لرقي الأمم، ويقول المالكي في مؤلفه «المكتبات العامة»: انتشرت في معظم البلاد الإسلامية، حيث كانت تقدم الحبر والورق مجانا للقراء، وفي قسم كبير منها خزنة وهم المعروفون «بأمناء المكتبة»، يساعدون القراء في الحصول على الكتب، موضحا «كان عدد من العلماء والوزراء يأمرون بوقف مكتباتهم على بلدانهم بعد موتهم كما فعل الصاحب بن عباد الذي أوقف مكتبته على مدينة الري فأصبحت مكتبة عامة تعرف باسمه».

الثورة الصناعية والمكتبات الأوروبية

تعد المكتبات مصدرا للثقافة في أوروبا الحديثة، تمتلكها الدولة وتفتح أبوابها للاستخدام العام وتمول عن طريق الضرائب، لم تظهر في الساحة الأوروبية إلا في القرن الـ 19 الهجري، حيث انتمت إلى عائلتين فريدتين «مكتبات البحث أو المكتبات العلمية» و»المكتبات الشعبية»، وتطورت فكرتها عبر العصور، كما أن الثورة الصناعية جذبت أعدادا كبيرة من العمال الصناعيين إلى المدن، فظهرت الحاجة إلى تثقيفهم ثقافة مهنية وعامة مما أدى إلى تأسيس مكتبات لهم، كذلك أدى انتشار القراءة والكتابة وتزايد أعداد المتعلمين ورغبتهم في المطالعة والتسلية إلى تأمين هذه المكتبات، كونها إحدى الوسائل لضبط السلوك وتوجيهه.

من تاريخها

أما في أمريكا فإن ولادة المكتبات تزامنت مع عامي 1800 و1900 من الميلاد ، إذ لم ينته القرن الـ 19 بحسب المختصين حتى ظهرت العديد من أشكالها، منها مكتبات الاشتراك والمكتبات الاجتماعية ومكتبات الإعارة.
وردا على امتعاض بعض الباحثين من افتقار المكتبات العامة للخدمات والمصادر، مما يضطرهم إلى هجرها والبحث عن بدائل أخرى، يقول القلش «من المفترض إيجاد تعاون ما بين المكتبة وأخصائي المعلومات، بحيث يكون على دراية كاملة ويدرس مجتمع المستفيدين «لافتا إلى أن العلة في النقص أحيانا تعود إلى عدم قيام أمين المكتبة بدوره على أكمل وجه، موضحا أن «ذلك يدل على انعدام أهليته الأكاديمية في مجال علم المكتبات»، وأرجع القصور إلى تبعيتها، والتي -بحسب ما يرى- تؤثر في مقتنياتها.

مشكلة الإهمال

وعدّ القلش ما طال المكتبات من إهمال مشكلة عامة، مشيرا إلى أن الفرد يتعامل مع تقنية تغنيه عن اللجوء إلى الوسائل التقليدية والمتمثلة في «المكتبات»، ناهيك عن نظرة المجتمعات للعاملين في حقول المعلومات، مضيفا «يعتقد البعض أن موظفي المكتبات ليسوا إلا محركات ثانوية لا يتمتعون بأي امتيازات، متغافلين عن أهميتهم وأدوارهم، ففي العصور التاريخية القديمة كان لأمين المكتبة العديد من الامتيازات والمكافآت والمخصصات».
وشدد الدكتور أسامة على ضرورة ترسيخ دور المكتبات العامة، لافتا إلى اعتماد ما يسمى بالتربية المكتبية أو الوعي المعلوماتي وهو ما يتعلق بالمصادر التي يستقي منها الطفل المعلومات، مضيفا «إنها مسؤولية تقع على عاتق الأسرة والتي هي المربي والموجه الأول للأبناء ، ثم المنشأة التعليمية».