الكتابة تحملنا لإحدى خمس محطات، حسب وجهة نظري، والتي لا أصر على تمام وثبات مصداقيتها، فالعقول كافة من حولنا قادرة على التنظير مثلي، وربما يكون بعضها أكثر مني عمقًا، فعند ظهور ما يقنعني من الأفكار البديلة أو العكسية فإني سأنيب سريعًا، ولن أخجل من اتباع الحق.
ونعود للأنواع الخمسة من العمل الكتابي، ففيها إما أن تكتب كينونتك وذاتك، وإما أن تكتب الناس، وإما أن تكتب ما بينك وبين الناس، وإما أن تكتب الغيب، وإما أن تكتب ما بينك وبين الغيب.
فكثير من الكتاب يكتبون لنا أنفسهم، فتجد كل أضواء الكون تتجه نحو نرجسيتهم، وتجد ذكرهم في كل فقرة يكتبونها، ملتصقين بكل نظرية أو عمل.
وقد ينجح هذا لبعض الوقت، ولكنه لن ينفع لكل الأوقات، بل إنه قد ينقلب للضد تحورًا، وحينها يظهر للقارئ التناقض بين ذاتك اليوم، وذاتك بالأمس القريب والبعيد، ويترتب على هذا النوع من الكتابة عدم السهو، وتذكر كل كلمة كتبتها، وكل ردة فعل أخذتها، وكل ضياء فنار علمي ثقافي اتبعته، فلا تظهر الشطط، أو التناقض، أو الكذب الصريح فيما تكتبه.
أما النوع الثاني، وهو الكتابة عن الناس، فهذا أخطر من الأول، كونك تنقل تجارب الآخرين، بما فيها من حبكات وتجاذب وتنافر معك ومع المحيط، وتحليل ما يأتي فيها بطرق قد تكون سليمة، أو عليلة، وقد تكون مزعجة ومما يجلب النحس لكتاباتك، حين يشمر الآخر عن أقلامه ويرد عليك، ويثبت غوايتك الفكرية، أو تعنصرك، أو عدم فهمك، أو تردي مصداقية النقل لديك.
والنوع الثالث من الكتابة هو أن تكتب ما بينك وبين الناس من أفكار وحيرة، ومن مخلوقات وأجرام ولواعج، ومن أحداث قد لا يكون نقلك عنها واضحًا أو مميزًا، ولكن ذلك يبقى سابحًا في أحواض وجهة نظرك الخاصة، وقد لا يلومك القارئ على ما فيها من نزق، ولكنها قد تكون أيضًا مدعاة إلى الحكم على ما تكتبه، وتأطيره في زوايا ضيقة، قد لا تجد مستقبلًا من يقرؤها إلا برغبة منه في التندر والتدليل على قلة فهمك وضيق أفقك.
والنوع الرابع وهو الكتابة في الغيب مستدلًا على كتاباتك بالثوابت، وقد تتعداها لما هو أقل من ذلك أو أبعد، وقد يجعلك التخيل تنحرف عن الطريق المعبد المأمون للكتابة والتنظير، فتنال ما تناله حاضرًا من القراء، ومن رب العزة في يوم الدينونة.
وفي النوع الخامس تكتب فيما بينك وبين أمور الغيب، وهنا قد تدّعي، وقد تكذب، وتدعي الأحلام، وقد تُنصب ذاتك في مكانة علِية لا يعلم قدر مصداقيتها إلا الله.
أخي الكاتب خذ عني، واكتب أينما شئت، وكيفما شئت، ومتى ما تسنى لك؛ ولكن تذكر أن الصدق منجاة، وأن العدل منجاة، وأن العقل والمنطق منجاة، وأن الأمانة والبحث الدقيق طريق للإبداع والبقاء في الذاكرة.